بقلم علي حسين باكير: 3 أمور تريدها تركيا من السعودية في قضية خاشقجي
سمحت الإدارة المعقّدة لملف اغتيال جمال خاشقجي بإظهار تركيا بمظهر الدولة المسؤولة والقادرة.
خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، قيل الكثير عن وجود صفقة تركية-سعودية، وأخرى تركية-أمريكية، لتسوية قضية جمال خاشقجي، لم يقدم أصحاب هذه النظرية أية معلومات أو تفاصيل عن شكل الصفقة المفترضة ومضمونها، ولم يتم دعمها بأية مسوّغات منطقية، لا سيما في وقت كانت فيه التسريبات المتعلقة بالقضية تقوّض عملياً، وبشكل متزايد، حدوث مثل هذه الصفقة، التي تفترض قتل الحقيقة وإقفال ملف خاشقجي.
في كلمته التي ألقاها أمام الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية، يوم الثلاثاء الماضي، سلّط رئيس الجمهورية، رجب طيب أردوغان، الضوء على جزء من الاستراتيجية التركية في هذا الملف، وعلى الرغم من أن كثيرين كانوا ربما يتوقعون أن يكشف الرئيس التركي عن كمّ أكبر من المعلومات، فإن المداخلة كانت ضمن ما يمكن أن يقوله الرئيس في هذه المرحلة، دون أن يقلل ذلك من أهميتها بطبيعة الحال.
تهدف الاستراتيجية التركية في هذا الملف -باعتقادي- إلى تحقيق ثلاث غايات؛ الأولى دفع السعوديين إلى قول الحقيقة كاملة بشأن مقتل خاشقجي، والثانية تقويض سلطة محمد بن سلمان باعتباره المسؤول عن هذه العملية التي تمت داخل الأراضي التركية، والثالثة ردُّ تركيا لاعتبارها من خلال المطالبة بمحاكمة كل من تورط في هذه العملية على الأراضي التركية، وعلى الرغم من أنه لا يمكن القطع بأن كل ما تم تسريبه حتى هذه اللحظة صحيح -بانتظار نشر مزيد من الأدلة- فإن تكتيك استخدام التسريبات ظلّ يصبّ في اتجاه تحقيق الأهداف التركية الثلاثة المشار إليها.
نقطة أخرى يجب التركيز عليها، وهي محاولة الرئيس التركي تحييد الملك سلمان عن تبعات ما جرى، يسمح ذلك بتسليط الضوء أكثر على دور ولي العهد، محمد بن سلمان، كمتهم من جهة، ويحفظ لتركيا أيضاً شعرة معاوية مع السعودية كدولة. وفي هذا السياق، يمكن القول إنه لو تعمَّد الجانب التركي تحويل الأزمة إلى أزمة ثنائية تركية-سعودية، لما استطاع أن يفعل الكثير، فأقصى ما يمكن فعله هو قطع العلاقات في تلك الحالة، ومن غير المعروف كيف كان سيخدم هذا الأمر مثلاً التحقيق القضائي، وكيف سيساعد على وضع ضغوط على السعودية، وعلى محمد بن سلمان شخصياً.
لقد ساعد تدويل الموضوع -مع بقاء الجانب التركي متحكماً في أسلوب كشف الحقيقة- أنقرة على تحقيق نصف أهدافها، فهي نجحت في إظهار كذب الروايات السعودية عدة مرات، كما ساعد كشفها المتورطين المقربين من ولي العهد محمد بن سلمان، وتأكيدها أن الهدف من اغتيال خاشقجي كان سياسياً وليس جنائياً أو أمنياً، في دعم الاستنتاجات التي تم التوصل إليها، بخصوص وجود قرار سياسي بالقيام بهذه العملية.
حتى الآن، سمحت الإدارة المعقّدة للملف بإظهار تركيا بمظهر الدولة المسؤولة والقادرة، كما سمح لها باستعراض قدراتها الأمنية والقضائية والسياسية، لكن ذلك لن يكون كافياً بحد ذاته لتحقيق أهدافها كاملة، كما أنه من المقطوع به أنه لا يمكن أن تستمر أنقرة في التكتيك نفسه طويلاً. وحده امتلاكها أدلة نوعية غير تقليدية قد يحقق لتركيا أهدافها، ويقطع الطريق على محاولة محمد بن سلمان ترميم صورته، ويمنع أية صفقة أمريكية-سعودية محتملة لاحتواء الأمر وإقفال الملف بأقل الأضرار.