مقال بقلم د/ ياسر حسان: سنوات الفرص الضائعة والحقائق التائهة في الأزمة الفلسطينية

ويظل السؤال.. لماذا سيخسر العرب أكثر مما سيكسبون من التطبيع مع إسرائيل
ويظل السؤال.. لماذا سيخسر العرب أكثر مما سيكسبون من التطبيع مع إسرائيل

تعيش الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية سلسلة متتالية من الإخفاقات منذ بدء المواجهات بين العرب والكيان الصهيوني عام ٤٨.. وإذا استثنينا نصر أكتوبر العسكري ومفاوضات السلام التي أقامها السادات، لم يحقق العرب أي تقدم يذكر في حل تلك الأزمة. العرب يرفضون المصالحة عندما تكون الفرصة الأخيرة متاحة، ثم يهرولون للتطبيع عندما تكون دفة الأمور لصالحهم والضغط الدولي في جانبهم.


لا أرى سببا واحدًا يبرر الاندفاع الخليجي المغربي المشترك للتطبيع مع إسرائيل والذي يصل في أوقات كثيرة الي درجة "المُحن"، في الوقت الذي كسب الفلسطينيون فيه تعاطفاَ بسبب أزمة "الشيخ جراح" افتقدوه لسنوات طويلة.. مشاهير تعاطفوا مع الفلسطينيين ورأينا لأول مرة سياسيين من أصول عربية يطالبون رئيسهم بالتدخل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية.. ساعد تهور "نتنياهو" الرئيس الشعبوي الفلسطينيين كثيراً.

ويظل السؤال.. لماذا سيخسر العرب أكثر مما سيكسبون من التطبيع مع إسرائيل؟

لأن هناك حقائق تائهة عن هواة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، أول تلك الحقائق اقتصادي، فحين نقوم بالمقارنة بين الدول المطبعة حديثاَ نجد أنفسنا أمام اقتصاديات متباينة تماماً، الاقتصاد الإسرائيلي يمثل كمياً أقل بحوالي %20 فقط من إجمالي الناتج المحلي لدول التطبيع الثلاث وهم الإمارات والمغرب والبحرين، رغم أن تعداد سكان إسرائيل أقل من ربع تعداد الدول الثلاث مجتمعة. زاد الناتج المحلي الإجمالي للفرد في إسرائيل بأكثر من النصف خلال الثلاثين عامًا الماضية، بينما تقبع كل الدول العربية في سجل الدول النامية. كما تقدم إسرائيل نفسها باعتبارها النموذج الغربي الليبرالي الديمقراطي الوحيد وسط منطقة تعج بالديكتاتوريات وأنظمة الحكم الشمولي.

ثاني تلك الحقائق علمي.. إسرائيل دولة متقدمة علمياً وتكنولوجياً إلى درجة كبيرة، بوضوح إسرائيل لديها ما تصدره للعرب، والعرب ليس لديهم ما يصدرونه لإسرائيل، وبالتالي ستصبح الأسواق العربية ليست إلا سوقاً جديداً لإسرائيل ينعش به اقتصاده. إسرائيل لها صادرات ذات قيمة مضافة عالية معرفياً وعلمياً ولها قيمة تجارية مهمة، وسيميل الميزان التجاري حتماً لصالحها.

والمساعدات الأمريكية لإسرائيل أصبحت أقل أهمية مما كانت عليه، وتنتج إسرائيل الآن معظم أسلحتها المتطورة كما تتعاون مع الهند في إنتاج أحدث التقنيات الزراعية، وهو التعاون الذي افتخر به نتنياهو وأشاد بعلاقته الخاصة برئيس وزراء الهند "ناريندرا مودي" المتعصب ضد المسلمين والسيخ في الهند. وإسرائيل حالياً مركز رئيسي لعمليات كل شركات التكنولوجيا الكبيرة في العالم، كما أنها لاعب رئيسي في سوق الألعاب الإلكترونية الذي من المتوقع أن يصل حجمه في العام الحالي إلى 320 مليار دولار.

هذه المؤشرات وغيرها الكثير تؤكد أنه إن كانت هناك علاقات اقتصادية بين الطرفين، فنحن أمام نموذج بلد متقدم يتعامل للأسف مع عدة دول متخلفة علمياً. وإذا كانت هناك مكاسب سياسية تنتظرها دول التطبيع من علاقاتها مع إسرائيل مثل حماية وبقاء أنظمة حكمهم. فلا ينطبق عليهم سوى المثل العربي القائل "لا يشبع أهل الأمل من خيبة الأمل" أو بالمصري "في المشمش" ....