الانتخابات الأمريكية مقالات د/ ياسر حسان

مقال بقلم د/ ياسر حسان: لماذا حقبة ترامب كانت مروعة اقتصادياً على أمريكا؟

ترامب شخصية متغطرسة مثيرة للشفقة ولم يعد شخصية مخيفة ومعظم أكاذيبه أصبحت مفضوحة.
ترامب شخصية متغطرسة مثيرة للشفقة ولم يعد شخصية مخيفة ومعظم أكاذيبه أصبحت مفضوحة.

في عالم الفانتازيا السياسية المنتشرة حول العالم الآن، لا تستغرب أن تتوه الحقائق والأرقام وأن يسود التدليس والكذب حتى وإن كانت الحقيقة مكشوفة. والواقع السياسي والاقتصادي في أمريكا حالياً لا يختلف كثيراً عن دول العالم الثالث في ظل رئيس يعتمد على الأكاذيب والتضليل. 


 

ترامب شخصية متغطرسة مثيرة للشفقة ولم يعد شخصية مخيفة ومعظم أكاذيبه أصبحت مفضوحة. 
يقول ترامب إن الولايات المتحدة الأمريكية شهدت انتعاشاً اقتصادياً غير مسبوق في عهده، فهل هذا حقيقي؟ لماذا حقبة ترامب كانت مروعة اقتصادياً؟ 
أدار ترامب أمريكا بنفس الطريقة التي أدار بها أعماله من خلال الكذب والتدليس في الأرقام والحقائق على الأرض، والواقع يقول إن أمريكا نمت بنحو 1٪  خلال سنوات ترامب -وهو معدل سئ في مقابل معدل نمو الصين الذي يقترب من 6٪ أي أن الصين قلّصت تقريباً ثلث الفارق بين إجمالي النتاج المحلي لها وإجمالي الناتج المحلي لأمريكا خلال سنوات ترامب الأربع فقط- وهو الأمر الذي أثار حفيظته وحاول إخفاء فشله في زيادة معدل نمو الاقتصاد الأمريكي بخلق مشاكل تجارية مع الصين. والأخطر أن الدين العام قفز من حوالي 90٪ من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عهد أوباما إلى حوالي 150٪ في نهاية عهد ترامب وهو تطور سيء ومخيف؛ فعندما تتجاوز الديون 100٪ فأنت مدين بأكثر مما تربحه كدولة، وهو رقم غير مقبول لدولة هي الأكبر اقتصادياً والأقوى عسكرياً وتشكل عملتها حوالي 60% من سلة العملات المتداولة حول العالم، لكن هذا بالضبط هو نوع الاقتصاد شديدة المديونية الذي تتوقع رؤيته في عهد ترامب، وهي علامة تجارية لأسلوب حياة خيالي تنفق فيه كثيرًا وتكسب فيه القليل جدًا. 
أضف إلى ذلك أن الاقتصاد غارق إلى حد كبير بسبب التضخم الحقيقي والزيادات في تكاليف الرعاية الصحية والإسكان والطب والتقاعد وما إلى ذلك. بالقيمة الحقيقية كان النمو الأمريكي خلال سنوات ترامب سلبيًا إلى حد كبير، وأحد أسباب احتفال الترامبيين بقائدهم المحتال هو أنه في عهد ترامب ارتفعت نسبة التوظيف بالنسبة إلى عدد السكان؛ أي أن عدد الأمريكيين الذين حصلوا على وظائف أكثر مما كان من قبل -خاصة أولئك الذين ينتمون إلى الطبقة العاملة والمتوسطة المنهارة.
 ولا يترك ترامب مناسبة دون ذكر هذا المؤشر -انخفاض نسبة البطالة- ويتجاهل كل المؤشرات الأخرى المنهارة في عهده. حتى هذا المؤشر لم يكن إيجابيا على إطلاقه بالنسبة لترامب، وتكمن المشكلة في أن أنواع الوظائف التي وفرها ترامب كانت سيئة، فخلال سنوات ترامب ارتفعت نسبة الأمريكيين الذين يعملون في "وظائف خدمة منخفضة الأجر" لتصل إلى ما يقرب من 50٪. وتخيل أن وظائف مثل نوادل البارات وعمال النظافة والسائقين زادت في عهد إمبراطورية ترامب الاقتصادية المزيفة لخدمة قلة من الطبقة الرأسمالية. 
الواقع الحالي يقول إن نصف الأمريكيين يعملون الآن في وظائف وضيعة وهذه نسبة مريعة لدولة غنية، حين لا يتبقى للشخص العادي ما يكفي لدفع الضرائب المستحقة عليه والتي تخلق الأشياء التي يعتمد عليها المجتمع الحديث مثل الرعاية الصحية، والتقاعد، والتعليم الجيد، ورعاية الأطفال وما إلى ذلك، في مقابل ضرائب منخفضة يتمتع بها طبقة الأغنياء وأصحاب الأعمال، ولأن الفقر يدخل المجتمع في دوامة خراب مفرغة، حيث يؤدي إلى انخفاض القاعدة الضريبية مما يؤدي إلى استثمار عام أقل مما يؤدي إلى مزيد من الفقر.. وهذا بالضبط ما حدث خلال سنوات ترامب؛ حيث ظل مستوى الاستثمار العام في أمريكا منخفضًا جدًا. 
تنفق أوروبا حوالي 50٪ من اقتصادها على الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والتقاعد، وهو ضعف ما تنفقه أمريكا. كانت أمريكا في حاجة ماسة إلى رفع مستوى الإنفاق على الخدمات العامة بنسبة 25٪ حتى يتمكن الأمريكيون من الاستمتاع بمستويات معيشية مرتفعة مرة أخرى، لكن خلال سنوات ترامب انخفض الاستثمار العام -وكان بالفعل أقل بكثير من المستويات الأوروبية أو الكندية.
 ونتيجة ذلك خلال حقبة ترامب واضحة.. فقد بلغ متوسط العمر المتوقع في أمريكا ذروته عندما استلم الحكم، ثم بدأ في الانخفاض. والغريب أن هناك ارتفاع بالفعل في متوسط العمر المتوقع حتى في البلدان الفقيرة، لأن الطب الحديث في تحسن دائم والغذاء أصبح أرخص، ويمكن اعتبار أن ارتفاع متوسط العمر المتوقع باطراد هو ظاهرة طبيعية في هذا العصر. لكن في أمريكا الأمر مختلف.. فخلال سنوات ترامب انخفض متوسط أعمار الأمريكان بنحو عام تقريبًا كل عام وهذا فيه تناقض صارخ مقارنة مع أوروبا؛ حيث ارتفع معدل الأعمار فيها، والآن يعيش الأوروبيون نصف عقد أطول من الأمريكيين. 
ولا توجد نتائج كارثية على مجتمع غنى ومتقدم علمياً أكثر من انخفاض متوسط العمر المتوقع، وإذا انتقلنا إلى مؤشر آخر هام مثل "السعادة".. فبحلول عام 2020، كان الأمريكيون هم الأكثر تعاسة منذ 50 عامًا، فخلال سنوات ترامب ارتفع معدل الانتحار في أمريكا بشكل كبير خاصة بين البيض من الطبقة العاملة الأمريكية- أولئك الذين وعدهم ترامب بجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى.
لماذا يتمسك ترامب إذن بالحكم، وهل من المرجح أن يُفلس دونالد ترامب قريباً؟ 
كانت إمبراطوريات ترامب التجارية دائمًا بيتًا من ورق، وحالياً هي مثقلة بجبل من الديون سوف يحين سدادها قريباً. خسارة الانتخابات بالنسبة لترامب معناها دماره هو نفسه ودمار مستقبل عائلته، وسوف تنهار إمبراطورتيه المالية ولن يجد من يقرضه لسداد هذه الديون. 
حتى المصرفيين الذين بنوا حياتهم المهنية من خلال المراهنة على قدرة ترامب على خداع أحمق أكبر لن يخاطروا بعد الآن، ولا أحد سيفعل. وجود ترامب في الحكم ضروري لمواجهة مخاطر انهيار إمبراطوريته المالية، لأن ترامب سيواجه على الأرجح تحقيقات وملاحقات ستطاردهم لسنوات عديدة قادمة إن لم تكن عقودًا، وإذا كان الديموقراطيون أذكياء ويريدون منع سلالة ترامب وعشيرته الأكبر -وأعني بذلك كل هؤلاء "المستشارين"- من الصعود مرة أخرى، فسوف يتأكدون من أن التحديات القانونية سوف تستمر الآن ومستقبلاً في كل مكان يذهبون إليه. 
تفاخر ترامب خلال حملته الانتخابية الأولى في عام 2016، بأن ثروته "تتجاوز10  مليارات دولار" لكن قيمة ثروته الحقيقية كانت أقل بكثير من ذلك. وكشفت صحيفة الجارديان في عام 2012 أن بيانًا مقدمًا نيابة عن ترامب إلى لجنة الأوراق المالية والبورصات من قبل Wells Fargo Securities  يشير إلى أن ثروته تبلغ 4.2 مليار دولار. 
في الوقت الحالي، تقدر مجلة فوربس ثروته بـ 2.5 مليار دولار فقط، وقدرت المجلة العام الماضي أن الرقم انخفض إلى 3.1 مليار دولار عن العام الذي قبله؛ حيث انخفضت ثروته إلى 3.7 مليار دولار، وإذا صدقت المجلة فقد انخفضت ثروته بمقدار 1.2 مليار دولار. 
وتراجع ترامب هذا العام 77 مرتبة دفعة واحدة على قائمة المجلة لأغنى الأمريكيين، وهو الآن في المرتبة 352 على القائمة، ووفقًا لـBusiness Insider، فإن ثروته أقل بحوالي 600 مليون دولار مما كان عليه في عام 2019 حيث إن الكثير من أمواله يحتفظ بها في مكاتب ومساحات سكنية في مانهاتن، وقد انخفضت قيمة الممتلكات بسبب الوباء. 
بالإضافة إلى ذلك يوجد لدى ترامب العديد من الفنادق وملاعب الجولف تم إجبار العديد منها على الإغلاق بسبب قيود فيروس كورونا، وللتوضيح فإن جزءاً مهماً من عائدات ترامب المالية تعود إلى حقوق استغلال اسمه فقط الذي ارتبط سابقاً بمسابقات الجمال وصناعة الترفيه وبطولات الجولف، فليست كل الفنادق والمنتجعات التي تحمل اسم "ترامب" هي ملك لترامب أو لعائلته، فبعضها يدفع نسبة فقط مقابل حق استغلال الاسم. 
وبما أن ترامب أصبح محل جدل الآن فإن عوائد استغلال الاسم قد قلت كثيراً، أضف إلى ذلك أنه أنفق 66 مليون دولار على حملته الرئاسية الأولى، و25 مليون دولار لتسوية دعوى قضائية على جامعة ترامب الفاشلة. ووفقًا لصحيفة واشنطن بوست أغلقت مجموعة ترامب 17 عقارًا في جميع أنحاء العالم، والعديد من تلك التي لا تزال مفتوحة تعمل بخدمات هيكلية.. وبحسب الصحيفة فإن الشركات المغلقة كانت تجلب للشركة حوالي 650 ألف دولار في اليوم وهو ما ضاعف خسارة مجموعته المالية. 
وتعرض ترامب لانتقادات شديدة لرفضه نشر إقراراته الضريبية على الرغم من قيام أسلافه بذلك، وحصلت صحيفة نيويورك تايمز في وقت سابق من هذا العام على مستندات تزعم أنها "خسائر مزمنة وسنوات من التهرب الضريبي"، ومن بين مزاعمهم أن ترامب دفع 750 دولارًا فقط كضريبة دخل فيدرالية في عام 2016  وفي عامه الأول في البيت الأبيض. 
كما قالت الصحيفة أنه لم يدفع أي ضرائب على الدخل على الإطلاق خلال 11 عاماً من الـ 18 عامًا الأخيرة، وأنه خفّض فاتورته الضريبية "بإجراءات مشكوك فيها"، بما في ذلك استرداد ضرائب بقيمة تتعدى الـ60 مليون دولار والتي تخضع الآن لمراجعة من قِبل دائرة الإيرادات الداخلية. 
كان عهد ترامب هو الحضيض لأمريكا هذه الحقيقة، على الأقل في التاريخ الحديث.. أمريكا الآن أمة تعاني من خمس أزمات: 
- أزمة اقتصادية، فقد أصبحت أمريكا بلدًا فقيرًا، ويموت متوسط الأمريكيين في الديون الجماعية. 
- أزمة اجتماعية، حيث انهارت الطبقة الوسطى والعاملة اجتماعياً، وتحولت أمريكا فعليًا إلى بلد من طبقة دنيا كبيرة، وطبقة عليا صغيرة تضم الأثرياء وعشائرهم وشركاتهم. 
- أزمة ثقافية، مع انهيار الثقة وسيطرة الكراهية. 
- أزمة سياسية، عندما سقطت الأمة في الفقر واليأس ووصلت الغالبية البيضاء إلى الوراء في الوقت المناسب، وأغرتهم ديماغوجية ترامب معتقدين بالكذبة القائلة بأن الأقليات كانت المسؤولة عن سوء الأوضاع على الرغم من عدم وجود أحد مسؤول عن ذلك سوى الغالبية البيضاء. 
- وأخيراً أزمة صحية، مع انتشار وباء كوفيد التي قتلت بالفعل أكثر من 225 ألف أمريكي، والتي ستقتل أكثر من ربع مليون أمريكي قبل أن يترك ترامب منصبه بسبب سوء إدارته للأزمة. 
أمريكا تعرضت في عهد ترامب لانهيار فاشي داخلي، وتحولت إلى مجتمع يعاني من ضائقة اقتصادية واجتماعية وعاطفية عميقة، ويكون فيه أفراد المجتمع معادون ومريبون وغاضبون لبعضهم البعض. ومثل هذا المجتمع عرضة للأشياء التي كان دونالد ترامب يبيعها لهم طوال الوقت: الجهل والكذب والخوف والغضب والكراهية. 
دونالد ترامب هو الشخص الذي كان يخشى دائمًا أن يكون "الخاسر"، لكن هل تعرفون من كان "الخاسر" الحقيقي في سنوات حكم ترامب؟ أمريكا نفسها.