مقال بقلم د/ ياسر حسان: الصراع العربي الإسرائيلي.. إلى أين في عهد "بايدن"؟

لا تترك واقعية "بايدن" في السياسة الخارجية سوى مجالاً ضئيلاً لصنع السلام، الرجل لا يريد أن يتعامل مع مشاكل معقدة، وهو في هذا يختلف عن سلفيه "أوباما" و"ترامب".


حاول دونالد ترامب خلال سنوات حكمه العجاف على العالم العربي أن يكون مختلفًا عن باراك أوباما في كل شيء قدر الإمكان، لكن في ملف الشرق الأوسط انتهى به الأمر في نفس المكان الذي انتهى له باراك أوباما، حاول كلا الرجلين الحد من التزامات أمريكا تجاه منطقة الشرق الأوسط ولم يستطيعا.

جو بايدن له نفس الهدف وهو الخروج من دائرة الفشل المتكرر في حل أزمة تبدو مستعصية الحل من وجهة نظره، ولهذا شدد "بايدن" على أن أولوياته البديلة هي ملفات الصين وتغير المناخ، لكن العنف الحالي المتصاعد بين الإسرائيليين والفلسطينيين وهو الأسوأ منذ عام 2014 فرض نفسه وكان بمثابة اختبار مبكر لم يكن يرغب فيه بايدن لقياس قدرته في النجاح فيما فشل فيه من تولوا زمام الأمور قبله. لم يتخلى "بايدن" عن الفلسطينيين كما فعل "ترامب"، ففي الأسابيع الأولى من رئاسته أعاد "بايدن" للفلسطينيين المساعدات الأمريكية التي تقدر بـ 250 مليون دولار سنوياً، وهي المساعدات التي أوقفها سلفه ترامب، ووعد بإعادة فتح القنصلية الأمريكية الفعلية للفلسطينيين في القدس التي أغلقها أيضاً ترامب، وأعاد تأكيد دعمه لمبدأ دولة فلسطينية مستقلة، وهو في هذا يختلف تماماً مع سلفه ترامب ومع صقور الحزب الجمهوري.

ورغم كل ما سبق يعتقد "بايدن" أنه من الصعب الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية في ظل خلاف فلسطيني داخلي، وقيادة إسرائيلية شعبوية تتمثل في "نتينياهو" الذي يغلب بقاءه على رأس السلطة في إسرائيل على أي مصلحة أخرى.

حاول "أوباما" في ولايته الثانية حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، رغم أن الوضع وقتها كان أكثر استقراراً من الوضع الحالي المتفجر. ورغم الجولات الكثيرة لصنع دبلوماسية السلام عانى وزير خارجيته حينها "جون كيري"، ويبدو أن "جو بايدن" -نائب الرئيس وقتها والسياسي الخبير الذي رأس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ لفترة طويلة- لم يكن معجبًا بهذه الجهود في ذلك الوقت، وكان شاهدًا على الإخفاقات المتتالية التي حدثت.

ويبدو أن "جو بايدن" وعى الدرس ولا يريد أن يكرر التجربة، ويقال في هذا الصدد داخل أروقة البيت الأبيض إن "بايدن" غير مهتم بالحصول على جائزة نوبل للسلام التي تمنح في مثل هذه المواقف، ولذلك هو أول رئيس لا يطلق مبادرة سلام في الشرق الأوسط منذ عهد الرئيس جيرالد فورد.

فهم الأمور بهذا الشكل يفسر تباطؤ إدارة "بايدن" في الرد على التوترات في القدس الشرقية هذا الشهر، استغرق الأمر ثلاثة أيام قبل أن يناقش جيك سوليفان -مستشار الأمن القومي- الصراع المتصاعد مع نظيره الإسرائيلي، وقتها كان الوضع قد أصبح بالفعل قضية دولية ساخنة.. رد الفعل المتأخر كشف عن النية في عدم إعطاء أولوية لمنطقة مضطربة باستمرار مثل الشرق الأوسط، رغم ضغط الديموقراطيين اليساريين ومنهم النائبة "رشيدة طليب" التي طلبت من "بايدن" تصعيد الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كان رد فعل إدارة "بايدن" ضعيفاً ولم تطالب الإدارة صراحة بوقف إطلاق النار-وهو الأمر الذي كان من الممكن أن يفعله أوباما- لكنها لم تعارض مجلس الأمن الدولي للقيام بذلك.

فإلى جانب التزام "بايدن" بأمن الدولة اليهودية لكنه يعكس أيضًا الإحجام عن إقحام نفسه في الأزمة أكثر مما يجب، ربما كانت ردود الأفعال الضعيفة للإدارة الأمريكية ساعدت مصر وأعطتها الفرصة لكي تعود إلى واجهة الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية وأن تتولى الدور الرئيسي بها، رغم طموح بعض الدول العربية المتلهفة للتطبيع مع إسرائيل لإزاحة مصر عن هذا الدور. وهي هدية قبلتها مصر وأدت مهمتها بكفاءة واقتدار في الأزمة الأخيرة استحقت عليها الثناء العلني من الإدارة الأمريكية، لكن الجديد المهم في السياسية الأمريكية هو التحول المؤيد للفلسطينيين بين الديمقراطيين الجدد، وهو أمر شديد الخطورة بالنسبة لإسرائيل لأنه ينذر برئيس مستقبلي عدائي لإسرائيل.

ومن المرجح مستقبلاً أن تصبح الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية قضية حزبية بين الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري وبين الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، وما أكد ذلك أن بعض الديمقراطيين الموالين لإسرائيل مثل السيناتور "روبرت مينينديز" لم يُخفِ انضمامه إلى زملائه الديمقراطيين في انتقاد استخدام إسرائيل للقوة في غزة، لكن هذا لن يمنع تمرير أي قرار مؤيد لإسرائيل عبر الكونجرس على المدي المتوسط طالما ظل النزاع في حدوده المقبولة دولياً.

في النهاية يبدو أنه "حساب معقول في صراع مألوف" طبقاً لنظرية "بايدن" القائلة بأن أمريكا يمكن أن تحقق أكثر من خلال فن الحكم التقليدي أكثر من أن تكون أحادية مع أحد الجانبين، لكن هذه النظرية أثبتت في الأزمة الأخيرة أنها هشة، لإن استقرار الشرق الأوسط تحدده الظروف الداخلية أكثر من الدور الأمريكي، وأمريكا ليس لديها في الوقت الحالي تأثير كبيرً على الفلسطينيين أو الإسرائيليين.