مقال بقلم د/ ياسر حسان: هل أخطأت Apple عندما رفضت شراء Tesla مقابل 60 مليار دولار؟

تسلا-ابل
تسلا-ابل

اقتصاديات الأعمال تسيطر على نحو 80% من الاقتصاد العالمي، وما زالت عمليات الاستحواذ والاندماج بين الشركات من أكثر الأمور تعقيداً في عالم الاقتصاد. ويضج عالم المال بالكثير من التجارب الناجحة وايضاً الفاشلة، لكن تجربة شراء أبل لتسلا التي لم تتم أحد أهم الدروس التي يجب الرجوع اليها ودراستها بتمعن.


قبل عامين أعطى أيلون ماسك -ثالث أغني رجل في العالم الآن بفضل ارتفاع القيمة السوقية لـ تسلا- الفرصة لتيم كوك رئيس أبل لشراء تسلا مقابل 10٪ فقط من قيمتها اليوم. ووفقًا لتغريدة كتبها أيلون ماسك فقد منح شركة "أبل" الفرصة لشراء "تسلا" مقابل 60 مليار دولار.. فهل أخطأت "أبل" في قرارها؟ خاصة عندما نعلم أن قيمة تسلا السوقية الآن تبلغ حوالي 730 مليار دولار، وأن شراءها كان من الممكن أن ينقل "أبل" من الترتيب الثالث كأكبر شركة في العالم من حيث القيمة السوقية إلى المركز الأول، متفوقة على شركتي أرامكو ومايكروسوفت، بل وربما كانت ستجعل "أبل" أول شركة في العالم تتجاوز قيمتها السوقية رقم الـ 2 تريليون دولار.

في الحقيقة كان لدى شركة آبل سببان رئيسيان لعدم شراء تسلا.. السبب الأول أن "أبل" و "تسلا" شركات متشابهة جدًا فكلاهما علامتان تجاريتان مشهورتان للغاية، ولديهما مجموعة كبيرة من فرق الدعم التكنولوجي، ولديهما قادة أعمال ذوو رؤية مستقبلية واسعة يطورون منتجات تحصل على أقصي درجات الرضا والقبول حول العالم. وقد يُعتقد أن هذا يجعل تسلا هدف استحواذ مثالياً لشركة أبل، لكن الواقع أن هناك ثلاثة أشياء لا تبحث عنها "أبل" عندما تبحث عن الاستحواذ على شركات جديدة:

 أولاً.. تمتلك "أبل" بالفعل العلامة التجارية الرائدة في العالم، وهي واحدة من أقوى العلامات التجارية في العالم، والتفكير في شراء اسم علامة تجارية قوية أخرى يعد أمراً مكلفًا للغاية بالنسبة لها، فمن غير المنطقي أن تشتري "أبل" شيئاً تمتلكه بالفعل.

ثانياً.. لا تحصل "أبل" على عائدات من شركات تابعة لها، إنهم يفضلون القيام بذلك من داخل الشركة الأم عن طريق إطلاق منتجات وخدمات خاصة بهم مثل المنصات الإلكترونية التي قد تكلف 1000 دولار شهريا أو عن طريق زيادة الإيرادات من اشتراك خدمة مثل  Apple One.

ثالثا.. لدى أبل بالفعل قاعدة معجبين أوفياء وعدد صخم من المتابعين الذين يشترون منتجاتهم الجديدة باستمرار بغض النظر عن سعر هذه المنتجات أو الخدمات. وتعتقد "أبل" أنها حتى لو قامت بشراء شركة تسلا، فمن المحتمل أنها لن تضيف أي مستخدمين جدد لمحفظة عملائها؛ لأن "أبل" لديها بالفعل 1.4 مليار مستخدم في سوق الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المتميزة، ومن المرجح أن يكون هؤلاء هم نفس الأشخاص الذين سينفقون 40 ألف دولار أو أكثر على سيارة "تسلا" الكهربائية الفاخرة، السبب الثاني أن شركة أبل تحب إضافة شيئين رئيسيين إلى مجموعتها الاقتصادية هما المواهب والتكنولوجيا.

ومثال ذلك أن أكبر عملية شراء لهم كانت الاستحواذ على سماعات “Beats” مقابل 3.2 مليار دولار في عام 2014. وقتها كانت علامة “Beats” التجارية تحظى بشعبية كبيرة، لكن لم يكن هذا سبب عملية الاستحواذ، ولا دعم المشاهير الكبير وقتها لهذه العلامة، ولا تقنية سماعات الرأس التي تميزت بها الشركة هي التي جذبت "أبل" إليهم.. بل كانت خدمة ربما لم نسمع عنها من قبل اسمها Beats Music، وكانت عبارة عن خدمة بث تحتوي على ميزات قوية مستمدة من تقنية الذكاء الاصطناعي التي كانت تستنج باستمرار ما تحب أن تسمعه، وتوصي لك دائما بموسيقى جديدة تلبي رغباتك.

وكان لديهم أيضًا خدمة فريدة تمكنك من مشاركة الموسيقى والاستماع إليها مع صديق على سماعتين منفصلتين في وقت واحد، إذا كانت هذه الخدمات شيئاً مألوفًا بالنسبة لك اليوم فذلك لأن أبل أعادت تسمية هذه الخدمة بسرعة باسم Apple Music، ولديها الآن أكثر من 70 مليون مستخدم يدفع اشتراكاً شهريًا، ومن بين صفقات الاستحواذ الناجحة أيضاً صفقة أخرى بقيمة 280 مليون دولار لشركة  “PA Semiconductors”، الشركة الأكثر شيوعًا لإنشاء معالجات عالية الكفاءة للغاية، سمح هذا الاستحواذ لشركة أبل بالبدء في صنع رقائقها المخصصة لها داخل الشركة الأم. ويتم استخدامها في منتجات iPhone و iPad وMac  الخاصة بهم حالياً.

في الواقع تمتلك أبل الآن كل شيء داخل ما تقدمه من منتجات أو خدمات بما فيها التصميم والتكنولوجيا الكاملة داخل أجهزتها، وهذا يجلب عددًا من المزايا مثل تقليل تكاليف التصنيع، ورغم المستوى التقني والتكنولوجي العالي والميزات المالية والعينية التي يحصل عليها فريق العمل داخل تسلا، يقال إن شركة أبل تدفع لمهندسيها حوالي 1.5 مرة أكثر مما يحصل عليه فريق العمل في تسلا. وحتى مع هذه الرواتب المرتفعة لا يزال بإمكان "أبل" الحصول على ما تحتاجه من تكنولوجيا متقدمة مقابل قيمة أقل بكثير من الـ 60 مليار دولار التي كانت ستكلفها لشراء تسلا.

ببساطة لم تشترِ أبل شركة تسلا لأنها كانت تعلم أن نقاط ضعفها لن تجدها في نقاط قوة تسلا.. ربما تكون وجهة نظر فريق الإدارة وقتها صحيحة، لكنه بالتأكيد لن تكون هذه وجهة نظر حاملي الأسهم الآن، الذين يعتقدون أنهم خسروا بالتأكيد أحد أكبر فرص الاستحواذ مكسباً علي مر التاريخ من بين أيديهم.