حيدر خضير الروبيعي يكتب: عندما يرضى القتيل!

حيدر خضير الروبيعي يكتب: عندما يرضى القتيل!

عقب عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "اسحق رابين" من واشنطن بعد توقيع إعلان المبادئ بينه وبين الفلسطينيين عام 1993، خرج ليرد على معارضيه بتصريح لافت قال فيه: "ليس من شك في أن أي حكم ذاتي يحمل في طياته إمكانية أن يتحول إلى دولة مستقلة، وسأعمل على منع ذلك بأقصى ما أستطيع"!


إذن فقد عقد الطرف الإسرائيلي منذ البداية العزم على عرقلة الاتفاق أو حتى تنفيذ ما يناسب مصالح تل أبيب فقط، متمثلة في التخلص من بعض أعباء التجمعات البشرية الفلسطينية، في وقت كان فيه الطرف الفلسطيني ممثلاً في الرئيس الراحل "ياسر عرفات" يحاول احياء حلم إقامة أي شكل من أشكال الدولة المنسية، ومنحها شرعية الوجود، ومن ثم كان ليرضى حتى ولو بقطعة أرض مثقلة بالهموم والمآسي!

في النهاية رضى "عرفات" وتحمل المآسي حتى رحل، ولكن فلسطين وشعبها ظلوا تحت نير الاحتلال وفظاعاته بصورة أو بأخرى، لتستمر المأساة، ولكن ما الذي يجعلني أعود هكذا سنوات إلى الوراء لأقف على دوافع وحال الموقعين على "أوسلو"؟

الإجابة ببساطة لأنه على الرغم من مرور ما يقارب الثلاثة عقود على توقيعها، إلا أن الخط الزمني لتنفيذ هذه الاتفاقية أو حتى بعض بنودها يبدو وأنه يحتاج لعمر سلحفاة معمرة، ليس لأن حقيقة هذه الاتفاقية كذلك، ولكن لأن الاحتلال الإسرائيلي مازال قائماً ومتحكماً في كل شيء، بسبب سياسات تعمد التسويف والعرقلة التي تمارسها إسرائيل، وهو ما يعيد إلى أذهاننا بعض من كلمات "عرفات"، الذي ربما كان يتوقع ذلك منذ البداية عندما قال: "لقد بقي لدينا رغم كل ما حدث إرادة الشعب"..

نعم.. إرادة الشعب، وهي ربما السبب الأهم لتذكر مثل هذه الأحداث الآن، فلعلها كل ما تبقى لشعب فلسطين في تعامله مع الاحتلال، وقد تجسدت هذه الإرادة فيما شاهدنا خلال مراسم تشييع الزميلة الراحلة "شيرين أبوعاقلة"، أيقونة الصحافة الفلسطينية المناضلة التي اغتالتها آلة القتل الإسرائيلية لإسكات صوت الحقيقة، حتى وإن كان هذا الصوت يحمل بين ما يحمل جنسية الحليف الأمريكي!

لقد شاهدنا كما شاهد العالم كيف تشبث المشيعون بنعش الشهيدة "شيرين أبوعاقلة"، رافضين سقوطه رغم تعرضهم للاعتداءات الوحشية من قبل جنود الاحتلال، كما شاهدنا كيف يخشى الاحتلال من رفرفة علم أو هتاف صادق أو تجمع حب واحترام، كيف يخشى من كلمةٍ أو عدسة أو حتى شعار، وشاهدنا أيضاً كيف يكون الباطل والزيف المدجج بالسلاح أكثر ضعفاً وهشاشة أمام صلابة الحقيقة وعفويتها وتناغمها مع فطرة الإنسان الطبيعي وليس العنصري في كل بقاع العالم..

وبذلك استطاعت "شيرين أبوعاقلة" حتى في موتها فضح الاحتلال، استطاعت تقديم القضية الفلسطينية وإعادتها للواجهة، استطاعت بث نسمات الحرية لشوارع القدس وهي تسير في رحلتها الأخيرة بدرب الآلام، وحولها اعلام دولة ظلت تحلم بقيامها وشعارات آمنت بها، فوحدت الجميع حولها، وكما قالت "شيرين": "ليس سهلاً ربما أن أغير الواقع، لكنني على الأقل كنت قادرة على إيصال ذلك الصوت إلى العالم"، وقد فعلت..

لقد أراد الاحتلال إسكات صوت "شيرين" برصاصة اخترقت رأسها الشاهدة على جرائمه، فرضيت الشهيدة واستسلم جسدها للموت، أرادوا ذلك ربما لإسكاتها وإسكات الحقيقة وتغييبها، فتحدث نعشها، ليجعل الجميع يلعن ظلم المحتل الذي تجاهل حتى حرمة الموت، قتلها ثم اعتدى على نعشها وحملة نعشها.. استهدفها حية ولم يكتفي فاستهدفها جثة هامدة، رضيت “شيرين” -ربما- بتلك النهاية الأسطورية التي قد تشعل أحداث كبيرة في حاضر ومستقبل القضية الفلسطينية، ولكن القاتل بالتأكيد لم يرضى، فأعاد لأذهاننا ذلك البيت المفجع: "يرضى القتيل وليس يرضى القاتل"!