مقالات د/ ياسر حسان

مقال بقلم د/ ياسر حسان: مشاهد عبثية في الحياة السياسية المصرية 

ثلاثة مشاهد غريبة حدثت خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ المشهد الأول.. هو توجيه رئيس الحكومة بالتحول نحو دولة مدنية ديمقراطية حديثة. 


والمشهد الثاني تحويل النائب محمد عبد العليم داوود للتحقيق في البرلمان لانتقاده حزب الأغلبية. 
والمشهد الثالث هو إعلام الحكومة الذي يزايد على الشعب وأن الشعب لا يرى الإنجازات أو لا يرغب فيها. 
المشاهد الثلاثة عبثية وكل واحد فيهم يؤدي إلى الآخر، وإذا أراد الرئيس فعلاً أن تكون مصر دولة مدنية ديمقراطية حديثة فعليه توجيه توصياته إلى حزب الأغلبية وليس إلى رئيس الوزراء المعيّن. 

على الرئيس تكليف حزب الأغلبية بحكم الأمر الواقع وهو حزب "مستقبل وطن" بتشكيل الحكومة، ففي الدول المدنية الديمقراطية الحديثة يكون فيها حزب نستطيع محاسبته ومراجعته، نستطيع أن نقول له في كل فترة انتخابية أحسنت أو ننتخب حزباً أو ائتلاف أحزاب أخرى بديلاً عنه، لكن هذا لم يحدث، ولهذا عندما استخدم النائب محمد عبد العليم داوود حقه في انتقاد حزب مستقبل وطن ظناً منه أنه حزب الأغلبية -كما يحدث في كل الديمقراطيات السليمة في العالم- قوبل بهجوم كبير من حزب الأغلبية، بل وتعجّب بعض نواب مستقبل وطن من نقد داوود لهم كزملاء بدلًا من انتقاد أداء الحكومة؛ لأن تكوين البرلمان الطبيعي الذي يراه (داوود) غير موجود، فالبرلمان الحالي عبارة عن مجموعة أحزاب لا يشارك أيّ منها في تشكيل الحكومة، كما أن الحكومة لا تمثل حزب الأغلبية ولا حزب الأغلبية مشارك في الحكومة من الأساس.

وإذا أضفنا على ذلك الإعلام المضطرب الباحث عن اتهام ولوم الشعب الذي لا يرضى بأنجاز الرئيس، ورغم أن الشعب هو القائد والمعلم وصاحب الحق الأصيل فلا يجوز لومه أو اتهامه، فهو بالتأكيد لا يرفض أي انجاز، لكن الشعب من حقه أن يناقش برامجه وأولوياته وأن يختارها أو بالأصح ينتجها.. وهو ما لم يحدث أيضاً، فالانتخابات البرلمانية مرت وأتحدى أن يكون هناك برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي موحد قدمته القائمة المغلقة إلى الشعب رغم انضمام أحزاب من ذات اليمين إلى ذات اليسار. 

والخلاصة أن الشعب تائه، فقط يتم إعلامه أن هناك هذا المشروع أو ذاك الكوبري، والحقيقة من غير حكومة منتخبة تحاسب على نجاح برامجها لن تكون مصر دولة مدنية ديمقراطية حديثة، بل دولة الحاكم الفرد. 
السياسة فيها دائرة مفرغة وجزر منعزلة، فالحكومة تنفذ برامج وطموحات وأولويات الرئيس، وحزب الأغلبية لا يتحمل وزر أي خطأ؛ فهو لا يحكم ولا يشارك في الحكومة. 
والمعارضة تائهة مثل الشعب بين معارضة الأغلبية التي لا تحكم والحكومة التي لا تمثل الأغلبية، وهذا ليس بالتأكيد الطريق إلى الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.. إنه الطريق إلى دولة الفنكوش.