مقال بقلم د/ياسر حسان: هل يمكن عزل دونالد ترامب بعد تولي جو بايدن منصبه؟

ستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي تعقد فيها محاكمة عزل رئاسي بعد أن ترك الرئيس منصبه بالفع
ستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي تعقد فيها محاكمة عزل رئاسي بعد أن ترك الرئيس منصبه بالفع

لا أستطيع أن أفهم هذا الرئيس الذي قارب في تجاوزاته أعتى ديكتاتوريات الشرق الأوسط، تهديد ووعيد لمسؤولين، منح وعطايا وأوسمة لنواب قبل مغادرته بأيام، مقتل ٦ أشخاص دون أي أهتمام بما حدث، وهو رقم كبير في أمريكا إذا ما قارنا ذلك بأحداث ولاية أوهايو التي قتل فيها ٤ أشخاص فقط وأدت إلى ثورة في البلاد كانت سبباً في الانسحاب من حرب فيتنام.


 يتشابه مشهد ترامب حالياً بالأيام الأخيرة "للبشير" ديكتاتور السودان، لكنه يتفوق عليه بحزمة من العنصرية والكره ضد العرقيات الأخرى، بالإضافة إلى دعمه الشخصي لعدد كبيرمن المجموعات اليمينية المتطرفة، وأكثرهم شهرة هي مجموعة "ثري بيرسنترز" و"أوث كيبرز" و"براود بويز" وكذلك "بوجالوس بوا" و"باتريوت براير". وتشترك تلك المجموعات بدفاعها عن حق امتلاك السلاح والعداء للحكومة والسلطة والأفكار اليسارية، وبعضها مؤيد للأفكار الداعية بتفوق العرق الأبيض ولديها ارتباطات بحركات للنازيين الجدد، وتعتبر أن قوات الأمن عملاء حكومة استبدادية، فيما تحضر أخرى لثورة وطنية أو حرب عرقية.

وفي بعض الأحيان، يعتنق أصحابها أفكار حركة اليمين المتطرف "كاي أنون" المؤمنة بنظرية المؤامرة، والتي تعتبر أن ترامب يخوض حربا سرية ضد جماعة ليبرالية عالمية مؤلفة من متحرشين بأطفال وعبدة شياطين .. وبحسب خبراء، تضم هذه المجموعات آلاف المؤيدين في البلاد، وهي تتواصل برسائل مشفرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبعد أن طرح مجلس النواب فعلاً بنود العزل للتصويت وأيدته أغلبية بسيطة من الحزبين، أصبحت محاكمة عزل ترامب حقيقة (كما حدث سابقاً في ديسمبر 2019). لكن يجب أن ترسل المواد بعد ذلك إلى مجلس الشيوخ الذي يباشر المحاكمة برئاسة رئيس المحكمة العليا، وفي التصويت الذي يعقب المحاكمة يلزم أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ للموافقة على الإدانة، والتي تعزل الرئيس تلقائيًا من منصبه (بعد محاكمة عزله الأولى، التي نجح ترامب في تجاوزها في فبراير 2020).  بمجرد إدانته، سيحتاج مجلس الشيوخ فقط إلى أغلبية بسيطة في تصويت آخر لمنع الرئيس من تولي أي منصب عام مرة أخرى، وهذا هو الهدف النهائي للديمقراطيين ومجموعة الغاضبين من الجمهوريين.

وقبل أن ندخل إلى الشكل الذي ستبدو عليه إجراءات العزل مع بقاء بضعة أيام فقط في إدارة ترامب، يظل هناك سؤال هام هو، ماذا يحدث إذا عُقدت محاكمة العزل بعد عزل ترامب بالفعل من منصبه؟ وإذا كان ذلك مقبولًا دستوريًا فما هو الجدول الزمني لعزل ترامب المحتمل للمرة الثانية؟

لا توجد سابقة تقريبًا لهذه المسألة.. ويعود الأمر إلى رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي لإرسال عريضة الاتهام إلى مجلس الشيوخ للمحاكمة.  يعتقد البعض أن بيلوسي قد تنتظر للقيام بهذه الخطوة، حتى لا تتعارض المحاكمة مع خطط "جو بايدن" لبدء تنفيذ جدول أعماله منذ اللحظة التي أدى فيها اليمين الدستورية في 20 يناير. في انتظار إرسال العريضة إلى المحاكمة حتى بعد تنصيب بايدن بأول 100 يوم لها فائدة إضافية أخرى: بحلول ذلك الوقت سيحصل الديمقراطيون على أغلبية ضئيلة للغاية في مجلس الشيوخ، مما قد يمنحهم طريقًا أسهل للإدانة.

ومع ذلك، ستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي تعقد فيها محاكمة عزل رئاسي بعد أن ترك الرئيس منصبه بالفعل. تم تنفيذ جميع إجراءات عزل الرئيس الأخرى الوحيدة لأندرو جونسون، وبيل كلينتون، وترامب للمرة الأولى، بينما كان كل رئيس لا يزال في منصبه، واختتمت بالبراءة في مجلس الشيوخ.

هل هناك سابقة أخرى للمساءلة بعد التنصيب؟ على الرغم من أنه ليس نادرًا تمامًا في تاريخ العالم، فقد حدث هذا مرة واحدة فقط من قبل في الولايات المتحدة، ففي عام 1876 أصدر وزير الحرب آنذاك ويليام بيلكناب استقالته إلى الرئيس يوليسيس س.جرانت قبل دقائق فقط من الموعد المقرر لمجلس النواب للتصويت على عزله بسبب مزاعم فساد، على الرغم من استقالته في اللحظة الأخيرة، مضى مجلس النواب قدما في التصويت ثم مرر القرار الناجح إلى مجلس الشيوخ الذي عقد محاكمة الإقالة وانتهى الأمر ببراءة بيلكناب.

ماذا يقول الدستور؟ بينما ورد ذكر الاتهام عدة مرات في الدستور، لا توجد شروط بشأن توقيت العملية. يشير الدستور فقط إلى أن الرئيس ونائب الرئيس وجميع "المسؤولين المدنيين" في الولايات المتحدة يخضعون للمساءلة بتهمة الخيانة والرشوة وغيرها من "الجرائم والجنح الجسيمة"، وأن مجلس النواب له السلطة الوحيدة في توجيه الاتهام، وأن مجلس الشيوخ ستكون له السلطة الوحيدة لمحاكمة جميع إجراءات العزل، ويمكن أن تؤدي هذه المساءلة إلى العزل من المنصب وحظر تولي منصب في المستقبل.

من المنطقي أن يكون المؤسسون للدستور الأمريكي قد تغاضوا عن عمد موضوع التوقيت، من أجل منع أي مسؤول حكومي يرتكب خيانة أو جرائم أخرى تستوجب العزل في أيامه الأخيرة في المنصب من الإفلات من المحاكمة.

ماذا يقول الخبراء؟ بين افتقار الدستور إلى المواصفات بشأن توقيت إجراءات الإقالة ومساءلة بيلكناب المتأخرة، قرر العديد من علماء القانون أنه يمكن بالفعل محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ بعد فترة طويلة من تركه لمنصبه. وقال "مايكل جيرهارد" -أستاذ القانون في جامعة نورث كارولينا- لقناة BBC: "بمجرد أن تبدأ عملية الإقالة في مجلس النواب، فقد تستمر إلى محاكمة مجلس الشيوخ.. لا أرى أي مشكلة دستورية مع مجلس الشيوخ أن يتصرف بسرعة أو ببطء"..

ووفقًا لمقالة تم الاستشهاد بها على نطاق واسع عام 2001 من قبل أستاذ القانون بجامعة ولاية ميشيغان "برايان كالت" فإن الدعوى الدستورية للمساءلة المتأخرة لديها نقاط قوة أكبر وعيوب أقل عن الأسانيد التي يسوقها أصحاب الرأي المضاد. استند "كالت" في حجته إلى دساتير الولايات الفردية، وكتابات المؤسسين، والأمثلة السابقة "للمساءلة المتأخرة" في إنجلترا، وحقيقة أن الدستور ينص على أن المساءلة يمكن أن تؤدي ليس فقط إلى العزل من المنصب، ولكن أيضًا إلى حظر تقلد مناصب عامة في المستقبل؛ مما يعني أن المساءلة ليست مجرد عقوبة فورية لمن هم في مناصبهم حاليًا.

وأخيرًا، قام الرئيس (جون كوينسي آدامز) أيضًا بإبداء رأيه في الموضوع، حيث شارك في اعتقاده أنه يمكن عزل أي مسؤول عام عن أي جرائم يرتكبونها أثناء وجودهم في المنصب، بغض النظر عن عدد السنوات التي تم اكتشافها بعد ذلك.  قال في عام 1846: "إنني أحتفظ بنفسي ما دامت روح الحياة في جسدي، قابلة للتقاضي من قبل هذا المجلس عن كل ما فعلته خلال الفترة التي كنت أقوم فيها بأي منصب عام".

انقسام الحزب الجمهوري رغم رغبة البعض في التخلص من إرث ترامب الذي فكك الحزب الجمهوري، مع ذلك يأمل كل واحد من القادة الجمهوريين في أن يرث أنصار ترامب، مما يجعل التصويت على إقالته إشكالية كبيرة لديهم. وعوضاً عن ذلك يركزون في الغالب على مهاجمة بعضهم البع؛ توم كوتون يدين تيد كروز وجوش هاولي لتحريضهما على الغوغاء، يتظاهر كروز بأنه دائمًا ما كان يدين خطاب السيد ترامب (ولكن يرحب ببقائه في المنصب)، أما ماركو روبيو يتخذ خيار بنس يدين العنف دون أن يلوم الرئيس صراحة على ذلك.

أما بالنسبة للفرقة القديمة التي كانت تُعرف سابقًا باسم المؤسسة الجمهورية، والتي ترغب تمامًا في عودة حزبهم إلى سابق قوته وتماسكه، فإن معظمهم يفترض أن مستقبلهم السياسي على المدى الطويل يعتمد على البقاء في الجانب الأيمن من الناخبين الذين يحبون السيد ترامب كذلك. وقال أحد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوري "بين ساسي" إنه سينظر في مواد العزل. شخص آخر هو (ميت رومني) قال إنه سيصوت بالتأكيد لإزالة السيد ترامب. من الممكن أن ينضم إليهم عشرة أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ على الأكثر، لكن ليس 17 أو 18.

في النهاية فالنتيجة الأكثر ترجيحًا الآن هي أن ترامب سوف يظل في منصبه حتى نهاية فترة ولايته محظورًا من مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه لا يزال في موقع قيادة الترسانة النووية الأمريكية.