Top

موقع الجمال

شارك

سياسة دولية

ماذا ستخسر أوروبا بعد قرار ترامب حول اتفاق النووي؟

تاريخ النشر:09-05-2018 / 11:20 AM

ماذا ستخسر أوروبا بعد قرار ترامب حول اتفاق النووي؟
ماذا ستخسر أوروبا بعد قرار ترامب حول اتفاق النووي؟

فشلت محاولات الدول الأوروبية الحثيثة لإقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببقاء بلاده في الاتفاق النووي الإيراني، بعد خشية دول أوروبا من مواجهة مخاطر تبدو كبيرة.

وأثار إعلان الرئيس ترامب، مساء الثلاثاء (8 مايو)، قراره النهائي بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، ردود فعل واسعة في العالم.

ليعرب بعدها الاتحاد الأوروبي عن قلقه من القرار، قائلاً: "نحن قلقون من إعلان ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي"، ومؤكداً بالقول: "سنعمل على الحفاظ على مصالحنا الاقتصادية".

ترامب اعتبر أن الاتفاق "الكارثي" أعطى نظام طهران "الإرهابي" ملايين الدولارات، وقال في مؤتمر صحفي، إن لدى بلاده أدلة كافية على أن طهران لم تتوقف عن تخصيب اليورانيوم، معتبراً أن الاتفاق سيتسبب بسباق تسلح نووي في الشرق الأوسط.

وأضاف: "على مدى الشهور الماضية سعينا مع شركائنا وحلفائنا لإصلاح الاتفاق النووي"، وبيّن أن الشعب الإيراني "لم يعرف النعيم منذ 40 عاماً"، مؤكداً أنه يجب وقف سلوكات إيران "الخبيثة" في الشرق الأوسط.

وأكد ترامب أنه سيوقع على مرسوم يقضي بإعادة فرض العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي.

وأشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن واشنطن تستعد لإعادة فرض جميع العقوبات على إيران التي رفعت بموجب الاتفاق النووي.

الاتفاق النووي مع إيران، والمعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، تم التوصل له في يوليو 2015، مع قوى دولية بعد ما يقرب من 20 شهراً من المفاوضات، وقد اعتُبر في حينه انتصاراً كبيراً للدبلوماسية بمنطقة الشرق الأوسط، التي لا تدع الحروب فيها للسياسة مجالاً للتحرك.

واتفقت بموجبه إيران والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا وفرنسا، وهي المجموعة المعروفة باسم "5 + 1"؛ والاتحاد الأوروبي، على رفع العقوبات الدولية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني مقابل تفكيك طهران برنامجها النووي.

الاتفاق الذي يعتبره ترامب "كارثياً"، يلزم طهران بتجميد برنامجها النووي 15 عاماً، وإخضاعه للتفتيش والتقييم المستمرَّين من قِبل المؤسسات الدولية مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها بشكل تدريجي.

وكانت إيران قد صعّدت من لهجتها قبل إعلان ترامب قراره النهائي، وقال رئيسها حسن روحاني، إن بلاده غالباً ستغادر الاتفاق حال غادرته الولايات المتحدة. وقد هاجم نظيرَه الأمريكي ووصفه بـ"التاجر الذي لا يفقه شيئاً في السياسة". وتساءل: "لم وقَّعتْ عليه (الاتفاق) بلدُك ما دام كارثياً؟!".

- محاولات أخيرة
ودارت مخاوف الأوروبيين المعلنة بعد إلغاء القرار، حول سباق تسلُّح ينتهي بحرب جارفة في الشرق الأوسط، فضلاً عن أنها تخشى من تأثر شركات أوروبية بعودة العقوبات الأمريكية على إيران، لا سيما أن شراكات كبرى قد نشطت بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ عام 2016.

ويمكن القول إن ثمة جوانب أخرى لا يفصح عنها الأوروبيون، ومنها أن يعزز انهيارُ الاتفاق سياسة الرئيس الأمريكي القائمة على تجاهل كل النصائح والتحذيرات بشأن القضايا الخطيرة التي تضرب العالم من أقصاه إلى أقصاه، والمضي قدماً في فرض ما يريده على الجميع وكأن الولايات المتحدة باتت شخصاً لا دولة.

وقد عاش العالم شهوراً على وقع قلق كبير من جراء تصعيد ترامب لهجته العدائية ضد بيونغ يانغ، وتهديده المباشر بأن الحل السياسي لم يعد صالحاً مع نظيره الكوري كيم جونغ-أون، وهو ما ردَّ عليه الأخير بالتهديد بنسف الولايات المتحدة بصواريخه عابرة القارات، قبل أن يحط السجال أوزاره ويلجأ الطرفان إلى مفاوضات، لم تبدأ بعدُ.

في الرابع والعشرين من أبريل الماضي، ذهب الرئيس الفرنسي إلى البيت الأبيض وهو محمَّل برسائل الأوروبيين لترامب، وهي تطلب في مجملها ثنيه عن موقفه المعادي للاتفاق النووي مع إيران. لكنَّ ساكن الإليزيه تراجع عن موقفه، وأبدى انحيازاً إلى ضرورة تغيير الاتفاق. وقال إنه تحدث مع ترامب عن "اتفاق جديد" تعالج من خلاله الولايات المتحدة وأوروبا المخاوف بشأن برنامج إيران النووي.

وأوضح الرئيس الفرنسي حينها أن اتفاقاً جديداً يجب أن يتضمن ثلاثة عناصر إضافية؛ هي: برنامج طهران الصاروخي الباليستي، والنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وما سيحصل بعد عام 2025، المحدَّد في الاتفاق الحالي والذي ستتمكن بعده إيران من استئناف جزء من برنامجها النووي بشكل تدريجي. واعتبر أن الاتفاق الحالي هو "الركيزة الأولى" لاتفاق أوسع محتمل.

وطوال شهور مضت، عمل مسؤولون أوروبيون وأمريكيون، في الغرف المغلقة، على إيجاد تسوية لمطالبات ترامب بتغيير الاتفاق، لكن المحصلة كانت لا شيء.

وقالت الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغريني، الأربعاء 25 أبريل 2018: "الاتفاق الذي بحوزتنا اليوم هو الاتفاق الوحيد والقائم مع إيران، وهو اتفاق ناجع؛ لأنه منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وألزمها بعدم تطويرٍ لا حدود له لسلاح نووي".

أما وزارة الخارجية الألمانية فقد أكدت- بحسب موقع "يورو نيوز"- أن الحفاظ على الاتفاق "على رأس أولويات ألمانيا، ولا مجال لإعادة التفاوض عليه".

في أكتوبر 2017، نقلت وكالة "رويترز" للأنباء، عن مسؤولين فرنسيين وألمان وبريطانيين، أنه في ظل خطر تحول التوترات بشأن برنامج كوريا الشمالية النووي إلى حرب شاملة، فإن أوروبا تعتبر أي خطوة تتخذها الولايات المتحدة لتقويض الاتفاق النووي الإيراني "حماقة".

ونقلت الوكالة عن دبلوماسي فرنسي كبير قوله: "إذا كان الشعور هو أن الولايات المتحدة لم تعد تدعم الاتفاق، فإن الواقع السياسي هو أن الاتفاق سيكون في خطر شديد، وسيكون تطبيقه صعباً جداً".

وهذه المرة الثانية التي ينسحب بها ترامب من اتفاق مهم متعدد الأطراف، على الرغم من المحاولات المكثفة من شركاء وأعضاء في حكومته لثنيه عن ذلك، وإن كان في أوروبا من يعتبر هدم الاتفاق مع إيران أشد ضرراً بكثير من قرار ترامب، في يونيو 2017، الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ.

وخشي مسؤولون ومحللون أوروبيون من أن يؤدي انهيار الاتفاق الإيراني إلى سباق تسلح في الشرق الأوسط وصراع بين إيران و"إسرائيل"، بالإضافة إلى تصعيد الحروب بالوكالة في المنطقة بين طهران والسعودية.

كما أن تداعي هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد جهود شاقة، سيقضي على أي فرصة باتفاق مع كوريا الشمالية عن طريق التفاوض مهما كانت ضآلتها.

- الحرب هي القضية الأساسية
فرانسوا هيسبورج، رئيس المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، علّق على هذا الأمر بقوله: "في نهاية المطاف، القضية الأساسية هي خطر الحرب".

ويمكن فهم المخاوف الأوروبية من حرب أكبر اتساعاً في الشرق الأوسط من كون ذلك يعني تدفق ملايين اللاجئين باتجاه القارة العجوز، التي ما زالت تعمل على تفادي أزمة اللاجئين السوريين، في حين لا يكترث ترامب بإصدار أوامر تنفيذية تمنع دخول أي أحد إلى بلاده.

ويبدو أن هذه الحرب التي تخشاها أوروبا ستعظم من الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، والذي تكشف تصريحات ترامب الأخيرة أنه بات مصدر دخل جيداً له؛ فترامب يتحدث صراحة عن ضرورة أن تدفع السعودية (خصم إيران) مقابل حمايتها، ما يعني أن أوروبا قد تتجرع مرارة حرب سيحصد الأمريكيون جل فوائدها.

كما أن هناك خطراً يتمثل، بحسب هيسبورج، في مزيد من تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة إذا استهدفت واشنطن المؤسسات الأوروبية التي لها أنشطة تجارية في إيران.

هذا الأمر أشار إليه سفير الاتحاد الأوروبي في واشنطن، ديفيد أوسوليفان، في تصريحات سابقة، بقوله: "في حالة حدوث ذلك فستلجأ بروكسل إلى قانون يرجع إلى حقبة التسعينيات من القرن الماضي، يحمي الشركات الأوروبية من العقوبات خارج دولها".

ومن بين الشركات التي أعلنت اتفاقات كبيرة في إيران منذ بدء سريان الاتفاق، عملاق صناعة الطائرات (إيرباص)، ومجموعة (توتال) الفرنسية للطاقة، و(سيمنس) الألمانية.

ويمكن تلمس جانب خفي للمخاوف الأوروبية؛ وهو أن الرئيس الأمريكي بات يتصرف مع العالم مِن حوله بعدم اكتراث، إذ يتعامل مع كل الملفات بمنظوره الخاص ووفق مصالحه الخاصة أيضاً؛ فالرجل مصمم على أن يضرب حتى بتحذيرات إدارته عُرض الحائط ليثبت أنه "يفعل ما يشاء بمن شاء وقتما يشاء".

وإجمالاً، فإن الخوف من خطر تحول الدولة الكبرى بالعالم إلى سلاح في يد رجل يدعي أعداؤه أنه تاجر سلاح ومقاول حروب أكثر من كونه رئيساً، قد يدفع العالم كله باتجاه حرب كبرى لا يُعرف مَن فيها سيقاتل مَن ولا لماذا يقاتله. وقد سبق أن قال وزير الخارجية الألماني السابق زيغمار غابرييل، إن ترامب ورجاله لا يرون في العالم إلا "ساحة قتال".