Top

موقع الجمال

شارك

سياسة دولية

الكوريتان .. درس جديد من دروس التاريخ لا يخلو من سخرية

تاريخ النشر:29-04-2018 / 11:09 AM

الكوريتان .. درس جديد من دروس التاريخ لا يخلو من سخرية
الكوريتان .. درس جديد من دروس التاريخ لا يخلو من سخرية

"كيم جونغ أون".. اسم يبدو أن التاريخ سيتوقف أمامه كثيراً وفي أكثر من موضع؛ فالزعيم الشاب الذي زلزل العالم خلال العام الفائت بتجارب نووية قيل إنها الكبرى في التاريخ، عاد ليزلزله بطريقة أخرى؛ عندما عبر على قدميه الحدود بينه وبين جارته الجنوبية طالباً إنهاء الحرب وإقرار السلام، في مشهد قد لا تجده إلا في الروايات.

كان العالم كله قبل شهور قليلة ينام ويصحو على تجارب بيونغ يانغ النووية التي أصبحت مادة خصبة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ بعدما بات الزعيم الكوري الشمالي يتعامل مع هذه التجارب كمن يتعامل مع الألعاب النارية.

كما كان كثيرون ينامون وهم يعتقدون أنهم سيستيقظون على نبأ اندلاع حرب نووية بين الكوريتين كجزء من حرب أوسع بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، خاصة أن لغة الحوار بين كيم جونغ أون ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، تجاوزت الألقاب المهينة إلى التهديد بالأزرار النووية.

هذا التباهي بامتلاك أزرار السلاح النووي وبأحجامها، والقدرة على الضغط عليها، بقدر ما كان يثير قلق ساسة كثيرين حول العالم، فقد كان بالنسبة لجموع كثيرة من الشباب النشط على مواقع التواصل وسيلة جديدة لـ"إفناء العالم"، قد تكون أقرب وأكثر واقعية من ذلك "النيزك" الذي لا يجيء، بحسب منشوراتهم التهكمية.

ولا شك أن ما فعله كيم جونغ أون، بمواجهة الغطرسة "الترامبية"، كان محط إعجاب كثيرين ممن يعانون تبعات الإمبريالية الأمريكية، ويحلمون بتحطيم ذلك القطب (أمريكا) الذي بات يجر العالم من حرب إلى حرب، ولا سيما أنه بات تحت حكم "تاجر سلاح" و"سمسار حروب" من طراز فريد، حسب قولهم.

- تفاوض من قوة
وبعيداً عن أحلام العاجزين، يمكن القول إن زعيم بيونغ يانغ نجح، بمساعدة الصين وروسيا، في اختلاق أرض صلبة يمكنه من فوقها التفاوض مع الأمريكي رأساً برأس، فقد قال صراحة إن بلاده "استكملت تسلّحها النووي".

وأعلنت كوريا الشمالية، صباح السبت (21 أبريل 2018)، إيقاف إجراء التجارب النووية والصاروخية على الفور، وقالت إنها ستهدم موقعاً للتجارب النووية بشمال البلاد، سعياً لتحقيق النمو الاقتصادي وإحلال السلام على شبه الجزيرة الكورية.

ونقلت وكالة الأنباء المركزية الكورية عن الزعيم الكوري الشمالي قوله في بيان، إن بلاده لم تعد بحاجة إلى إجراء تجارب نووية أو تجارب لإطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات؛ لأنها "استكملت التسلّح النووي".

ورغم الترحيب الأمريكي السريع بالخطوة، التي شكك كثيرون في دوافعها وأسبابها، فقد اختار كيم جونغ الدخول إلى مفاوضات مع خصم بلاده العالمي من بوابة خصمه الإقليمي، وجعل إنهاء الحرب بينه وبين جيرانه أساساً لكل الخطوات القادمة، فبدأ بعقد قمة هي الأولى منذ 65 عاماً مع نظيره الجنوبي مون جاي إن.

وقال كيم، قبل توجهه إلى الجانب الكوري الجنوبي من المنطقة الحدودية للقاء نظيره مون جاي إن، إنه سيناقش "بإخلاص كل القضايا الهادفة لتحسين العلاقات بين الكوريتين وإنجاز السلام والرخاء، وإعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية"، بحسب وكالة الأنباء الكورية الشمالية الرسمية.

الخطوة التي اتخذها كيم جونغ أون (35 عاماً) قد تكون مراوغة سياسية وعسكرية لا يعرف أسبابها إلا من خططوا لها، لكنها أيضاً قد تكون خطوة أولى لكتابة تاريخ جديد في شبه الجزيرة التي تعيش منذ نحو 70 عاماً بما يسميها البعض بـ"الحرب المنسية"، رغم أنها جرفت في طريقها أكثر من 5 ملايين قتيل.

لكن الواقع والتاريخ يقولان إن الخطوات التي يتخذها قادة الشمال والجنوب لإنهاء حالة الحرب أو لإعادة اللحمة بين الشعبين اللذين كانا شعباً واحداً قبل أن تشطره مصالح الاستعمار، لا يمكن أن تكون بعيدة عن تلك الدول التي كانت سبب المأساة، شأنها شأن غالبية المآسي في العالم.

وقد بدأت مأساة شبه الجزيرة الكورية عندما قررت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تقسيم البلد الواحد إلى بلدين يخضع كل منهما لنفوذ إحدى الدولتين، وذلك بعد إخراج اليابانيين من الأراضي الكورية عام 1945.

ومنذ ذلك الحين، تواصلت المعارك وسقط القتلى وتبادل الطرفان النصر والهزيمة، لكن بقي دور الولايات المتحدة وروسيا (الاتحاد السوفييتي سابقاً) والصين واليابان، رئيسياً في أزمة شبه الجزيرة الكورية، وبقيت كل الحلول فيها تدور في فلك هؤلاء اللاعبين.

وقد قدم كيم جونغ أون، منذ وصوله إلى الحكم عام 2011، نموذجاً مختلفاً ومثيراً للإعجاب الذي لا يخلو من سخرية، خاصة أنه يبدو مستهزئاً بأكثر الأمور خطورة، ويتعامل مع السلاح النووي كما يتعامل الطفل مع ألعابه، فضلاً عن أنه وصل إلى نقاط بعيدة جداً في سب وإهانة نظيره الأمريكي دونالد ترامب.

تهديدات متبادلة ومرعبة وسباب جديد على الساحة الدولية سيطر على لغة السياسة بين واشنطن وبيونغ يانغ؛ بسبب رفع الأخيرة وتيرة تجاربها النووية، خاصة منذ لحظة تنصيب ترامب مطلع 2016، حتى أعلن جونغ أون صراحة أنه بات قادراً على محو ولايات أمريكية بأكملها.

- تاريخ جديد
وبينما يلوِّح ترامب كعادته باللجوء للحرب، ويقول إن العقوبات وحدها لن تجدي، وإن السياسة لم تعد حلاً مناسباً لوقف برنامج كوريا الشمالية النووي، خرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أواخر العام الماضي، مؤكداً أن الكوريين الشماليين "سيأكلون العشب في سبيل الحصول على سلاح نووي".

اللافت أن إعلان بيونغ يانغ "المفاجئ" بوقف تجاربها النووية رافقه إعلان مفاجئ آخر من واشنطن، وهو أن مايك بومبيو، وزير الخارجية الجديد، التقى، عندما كان مديراً لوكالة الاستخبارات الأمريكية، كيم جونغ أون، في بلده قبل أسابيع، لبحث الشروع في عملية التفاوض.

في النهاية، وبعيداً عن التفاصيل التي لن يعرفها أحد، ذهب كيم جونغ أون إلى جيرانه سيراً على الأقدام ليكون أول زعيم في بلده يطأ هذا المكان منذ نحو 70 عاماً، وقد اتفق مع نظيره الجنوبي على أمور؛ منها:

- العمل على تخليص شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية بعد عقد قمة تاريخية.

- الدفع باتجاه تحويل الهدنة التي أنهت الحرب الكورية عام 1953 إلى معاهدة سلام هذا العام.

- نهاية "الأنشطة المعادية" بين البلدين.

- تغيير المنطقة المنزوعة السلاح التي تقسم البلاد إلى "منطقة سلام" عن طريق وقف بث الدعاية.

- تخفيض الأسلحة في المنطقة في انتظار تخفيف التوتر العسكري.

- الدفع باتجاه محادثات ثلاثية تشمل الولايات المتحدة والصين.

- تنظيم لم شمل للعائلات التي فرقتها الحرب.

- ربط وتحديث السكك الحديدية والطرق عبر الحدود.

- مزيد من المشاركة المشتركة في الأحداث الرياضية، ومن ضمنها دورة الألعاب الآسيوية لهذا العام.

ولم تتضح تفاصيل كيفية تحقيق نزع السلاح النووي، ولا يزال العديد من المحللين يشككون في أسباب حماس الشمال الواضح للمشاركة.

لكن هذه القمة التاريخية أثارت حفيظة شباب عرب رأوا فيها دليلاً على أن الدول لا ينقصها إلا الإرادة لإنهاء خلافاتها، وأن الكوريين الذين سقط منهم أكثر من 5 ملايين عبر سبعين عاماً من القتال، وجدوا أرضاً يقفون عليها، في حين يعجز العرب عن إيجاد مساحة مشابهة ولو ضيقة فيما بينهم.

وكان أبرز ما لفت النظر في القمة الكورية الأخيرة هي أنها أعادت كثيرين إلى انتظار "النيزك" الذي سيخلصهم من مآسيهم بعدما ذهب حلم "الأزرار" على ما يبدو إلى غير رجعة.

اللافت أيضاً في الأمر هو أن كيم جونغ أون، عندما أراد إقناع شعبه بخطوته المقبلة ضرب لهم أمثلة عربية في السقوط، فقال إنه لا يريد أن يكون مثل صدام حسين أو معمر القذافي؛ وهي إشارة تعني الكثير لمن يفهم.

ونُقل عن متحدث باسم الرئاسة الكورية الجنوبية قوله إن كيم قال إنه مستعد لزيارة سيئول في أي وقت لو قدمت له دعوة.

وثمة قمة مقترحة بين الرئيس كيم والرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع يونيو المقبل، وقد تضم هذه القمة الرئيس الصيني أيضاً.

في نهاية القمة التقط زعيما الكوريتين صورة مع طلفيهما، ولد وبنت، وزرعا شجرة صنوبر بتربة من الجانبين، وماء كذلك، في المنطقة الفاصلة منزوعة السلاح بينهما، وكأنهما يؤكدان أن الحرب التي تقتل الحاضر قد لا تقتل المستقبل، وأن ولداً وبنتاً وشجرة قد يكتبون تاريخاً جديداً لو قرر الكبار منحهم الفرصة.