Top

موقع الجمال

شارك

مقالات سياسي

بقلم أحمد نور الدين: الكسب الحرام

تاريخ النشر:18-02-2018 / 02:58 PM

بقلم أحمد نور الدين: الكسب الحرام
بقلم أحمد نور الدين: الكسب الحرام

اعترف لك قارئى الحبيب، أنه تصدمنى كثرة تواتر أخبار الفساد المتمثل فى صور أكل السحت والمال الحرام من الرشوة، والاعتداء على المال العام وأكل المال الناتج عن الغش التجارى، والتهاون في العمل، والتحايل في التقاضى، والاحتكار واستغلال حاجة الناس، المنشورة يوميا في وسائل الإعلام المختلفة، لما تمثله تلك الوقائع المشينة-أعاذنا الله وإياكم منها- من سرطان خبيث يأكل في جسد ومفاصل دولتنا الحبيبة، فيقوض من عمليات النماء المنشودة منا، معرقلة تقدمه وتطلعاتنا في مجتمع نظيف، عادل نحيا في ظله، وبين أركانه.

فكم كان صادما لى -واعتقد لكم أيضا- خبر القبض على محافظ المنوفية الدكتور هشام عبد الباسط، واثنين من رجال الأعمال، بعد ثبوت تورطهم فى قضايا فساد، وحصوله على رشوة 2 مليون جنيه مقابل تخصيص قطعة أرض لأحد رجال الأعمال، بعد رصد هيئة الرقابة الإدارية للمتهمين وتسجيل المكالمات الهاتفية بين المحافظ واثنين من رجال الأعمال وجمع الأدلة وتوثيقها، ثم خبر آخر للمهندس ياسر الدسوقى، محافظ أسيوط، حين أكد إحالته كثير من قضايا الفساد للنيابة العامة، ثم خبر القبض على مدير عام بإدارة المشتريات فى الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، بتهمة تقاضى رشوة 350 ألف جنيه، من صاحب شركة توريدات خاصة تعمل فى مجال أجهزة المعامل.

إضافة إلى وقائع فساد واعتداء على المال العام أخرى كما فى محافظة الإسماعيلية، حين ألقت هيئة الرقابة الإدارية القبض على تشكيل وظيفى بالوحدة الحسابية لمستشفيات جامعة قناة السويس، لاستيلائهم على ثلاثة ملايين ومائتين وخمسين ألف جنيه من ميزانية المستشفى واقتسامها فيما بينهم، وهذا الرئيس السابق لمركز ومدينة أطسا فى الفيوم تلقى الهيئة القبض عليه ومعه خمسة متهمين آخرين، لقيامهم بالتزوير فى إصدار قرار تقسيم قطعة أرض مساحتها 1600 متر قيمتها نحو 5.5 مليون جنيه، بعدم استقطاع مساحة المنافع العامة والخدمات من كامل مساحة الأرض ومخالفة الغرض المخصص للاستخدام من الحرفى إلى السكنى، ما ربح ملاك الأرض وأضر بالمال العام بما قيمته 3.5 مليون جنيه.

وفى سوهاج ألقى القبض أيضا على رئيس وحدتى روافع القصير وبندار الكرمانية بإدارة سوهاج الاجتماعية، لاختلاسه وتسهيله الاستيلاء على مبالغ مالية من أرصدة كروت الفيزا التى تخص مشروع الدعم النقدى المشروط "تكافل وكرامة" المستحقة للمواطنين، ثم آخر تلك الأخبار أمس من الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، حين صرح مؤكدا خلال لقائه في برنامج "الجمعة في مصر" المذاع على قناة "إم بي سي مصر"، أنهم حريصون على عملية الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد، وأنه تمت إحالة مئات الموظفين بالجامعة للتحقيق بشأن قضايا فساد ولا نعلن عن ذلك لسرية التحقيقات!

ويتعجب المرء من كثرة وقائع تلك القضايا المحرمة شرعا وخُلقا من أناس يحتلون مراكز مرموقة بمحل وظائفهم، لكن يزول العجب حين يعلم أن مرجع ذلك يعزو إلى الطمع وعدم الرضا، وعدم الخوف والحياء من الله، والحرص على المكسب السريع من أي جهة وبأي طريق، وقد رصد علماؤنا أضرار الكسب الحرام وعواقبه لدى آكله ومكتسبه، تمثلا في ظلمة القلب، وكسل الجوارح عن الطاعة، ودخول النار، والحرمان من الجنة، وعدم قبول الدعاء والعمل الصالح.

خليفتنا العادل عمر بن الخطاب -ولنا أسوة فيه-، لما تولى الخلافة راعى حافظا لأمته على أموالها العامة، فيروى أنه كان يسير يوما فرأى أبقارا سمانا فقال لمن هذه الأبقار؟ فقالوا له إنها لعبد الله بن عمر فقال رضى الله عنه: ضموها إلى بيت المال، فوالله ما سمنت إلا باسم أمير المؤمنين، وعندما جاءوا له بزكاة المسك، وضع يده على أنفه حتى لا يشتم رائحته، فقالوا يا أمير المؤمنين إنما هي رائحة؛ فقال: وهل يستفاد منه إلا برائحته.

وبالعودة إلى سيرتنا التاريخية العطرة نرى مدى تمسك نساء المسلمين بتحرى الحلال، وغرسه في نفوس أزواجهم وأبنائهم، فهذه إحدى الصحابيات توصى زوجها: اتق الله في رزقنا، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار، ويروي عن امرأة صالحة أنه قد أتاها خبر وفاة زوجها وهي تعجن العجين فرفعت يدها عنه، وقالت: هذا طعام قد صار لنا فيه شريك (تعني الورثة).

وقد يغرى الكثير منا الشيطان بأكل الحرام، ثم يلبس عليه أمره، بأنه إذا تصدق، أو أنفق متصدقا، أو حج، كفر الله عنه ذنوبه، وفى ذلك يقول سفيان الثوري رضي الله عنه يقول: "من أنفق من الحرام في طاعة، كان كمن طهر الثوب النجس بالبول، و النجس لا يطهره إلا الماء، والذنب لا يكفره إلا الحلال"، وقال الإمام علي كرم الله وجهه: "إن الدنيا حلالها حساب، وحرامها عذاب وشبهتها عتاب".

رسول الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول ناصحا وموجها لنا: "ليس من عمل يقرب من الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقرب من النار إلا وقد نهيتكم عنه، فلا يستبطئن أحد منكم رزقه فإن جبريل ألقى في روعي أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، فاتقوا الله أيها الناس، وأجملوا في الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله فإن الله لا ينال فضله بمعصيته"، ولله دره الإمام الشافعى حين قال: جمع الحرام على الحلال ليكثره، دخل الحرام على الحلال فبعثره".

رزقنا الله وإياكم تحرى الحلال، وأعاذنا من الخوض في المال الحرام.

المصدر: صدى البلد