Top

موقع الجمال

شارك

مقالات سياسي

بقلم عبد المنعم سعيد شخصية مصر

تاريخ النشر:10-12-2017 / 03:26 PM

بقلم عبد المنعم سعيد شخصية مصر

فى عام ١٩٦٨ نشر أستاذ جيل كامل من المصريين كتابه الأشهر «شخصية مصر.. دراسة فى عبقرية المكان»، وكانت الأطروحة فى وقتها تماما فى ظل الظروف التى حلت بالبلاد فى أعقاب هزيمة يونيو ١٩٦٧. كان الظلام حالكا فى ذلك الزمن، وكان اليأس حالا، والشك ذائعا فى عصر بأكمله ظن المصريون معه أنهم قادرون كما قال نجيب سرور على «خدش وجه السماء، والضرب بالكف وجه الأسد».

 لم يكن ذلك ما جرى، بل كان الاكتشاف الأكبر هو أن الحلم لم يكن حقيقة، وأن الظنون كانت إلى الحق أقرب. جاء حمدان، ومعه آخرون، لكى يستنهضوا «الشخصية» فى الذات المصرية، وهى حالة توجد فى الأمم العظيمة تجعلها تعرف كيف تخط طريقا وقت اختلاط الطرق، وتنير الدنيا ساعة الظلمة. الرجل كان يرى فى «عبقرية» المكان المصرى ما يهمها ويدفعها بعيدا عن السقوط، ويمنحها القدرة لكى تخرج من كبوتها، وتمضى فى طريق قدرها الموعود.

«الشخصية» ويقولونها بالإنجليزية «كاركتر Character» تعنى ما هو كامن لدى فرد، وفى هذه الحالة أمة، من خواص تجعلها قادرة على الخروج من محن وأزمات صعبة وتتجاوزها لكى تنطلق من جديد. الذائع فى أيامنا هنا هو القول عن النادى الأهلى المصرى إن لديه «الشخصية» التى تجعله لا يخضع للهزيمة، وتجعله، وحتى النفس الأخير يستمر فى المنافسة وفى المباريات حتى يحقق الفوز. ومع مطلع العقد الحالى فإن مصر تعرضت لاختبار عظيم، ولم يتوقف الاختبار على «ثورة يناير ٢٠١١»، وإنما ما تلاها من أحداث وصلت إلى تولى «الإخوان» مصير مصر وهو ما كان بداية لنهاية قرنين من التحديث والدولة المدنية. دخلت مصر والمصريون إلى الجب الذى دخلته أمم قبلها، وكثيرهم لم يخرجوا منه بعد، ومع الظلمة توقف النمو الاقتصادى، وتراجع النمو الاجتماعى، وباتت السياسة رهينة للفتوى وليس التشريع، أما سياستها الخارجية فكان يجرى تقرير أدق موضوعاتها فى بلاهة أمام عدسات التليفزيون. 

لم يكن ذلك نوعا من الشفافية، وإنما كان نوعا من سقوط الدولة فى هوة عالم كبير لخلافة لا يعرف أحد لها حدودا ولا مرجعية ولا جغرافيا ولا تاريخا. كان يقود مصر من لا تهمهم المحروسة فى شىء، كان ولاؤهم بعيدا شرقا وغربا لدول لم يقدها مصرى فى يوم من الأيام.

ثورة يونيو ٢٠١٣ كانت تعبيرا عن «شخصية مصر» حينما استجمعت الأمة قواها لكى تسترجع ذاتها الضائعة، وهى عملية استرجاع كانت مفاجأة ليس فقط للإخوان الذين تصوروا أنهم وضعوا الشعب المصرى فى جيوبهم، أو للعالم الذى تصور أن مصر مثلها مثل إيران دخلت إلى الجب الذى لا يخرج أحد منه إلا إلى الفوضى المزمنة، أو الديكتاتورية الدينية الأبدية، وإنما كانت للمصريين أنفسهم.

 وهذه المرة لم يكن الانتصار للزهو أو للتفاخر أو للعودة إلى ما كنا عليه، وإنما أظنه كان استعدادا للدخول إلى زمن آخر لا تتم فيه التغطية على الحال المائل، أو نسير فيه مرددين أناشيد خداع الذات. البديل الوحيد للدولة الدينية، والفوضى، والعودة إلى ما كنا عليه قبل يناير، أن نسير فى الطريق الذى سارت فيه كل دول العالم التى سبقتنا، حيث النمو المستدام والمتسارع، والتنمية الشاملة التى تغير البشر والحجر معا، وأكثر من ذلك الجغرافيا التى مجدها جمال حمدان لكى تأخذ معانى جديدة تناسب العصر والزمن.

الآن فإن «شخصية مصر» التى اختبرت فى مطلع العقد تعترضها اختبارات جديدة، أولها آلام المرحلة كلها ومرارة الدواء والعلقم الذى لم يكن هناك مفر من ابتلاعه لمواجهة عهود طويلة من المراوحة والتردد. 

وثانيها أن الإقليم الذى بُعثت فيه مصر من جديد لم يعد ذلك الإقليم الذى عرفناه من قبل، هو إقليم بقدر ما فيه من اتجاهات الإصلاح توجد فيه تيارات التدمير والعدوان، الدولة فيه مترنحة، والقضايا الجديدة فيه من تعمير وإعمار تنافسها القضايا المزمنة التى جرى الهروب منها لكى نجدها فى حالة أسوأ مما كانت. عودة «القضية الفلسطينية» إلى جدول الأعمال مرة أخرى بالطريقة التى عادت بها اختبار لجوهر الشخصية المصرية وقدرتها فى الحفاظ على مصالحها وأهدافها الاستراتيجية. تلك هى المسألة؟!

المصدر: المصرى اليوم