Top

موقع الجمال

شارك

بروفايل

أحمدعرابي البطل المصري والثورة العُرابية

تاريخ النشر:05-04-2017 / 09:33 AM

 أحمدعرابي البطل المصري والثورة العُرابية
أحمدعرابي البطل المصري والثورة العُرابية

سمع معظمنا بالثورة العُرابية، وبطلها أحمد عُرابي، فهذا الاسم كثيراً ما يتردد في الحوارات السياسية، والبرامج التلفزيونية، كما أنَّه مذكور في أغلب المناهج التعليمية في العالم العربي، لكن هناك تفاصيل كثيرة غابت عن الأذهان بعد مرور الزمن، سنحاول أن نتذكرها معاً من خلال هذه المادة.

هو بطل الثورتين، بمواجهة الخديوي توفيق، ثم بمواجهة الإنجليز، وهو الفلاح البسيط، القادم من قريته دون أنْ يعلم أنَّ التاريخ سيخلِّد اسمه، ودون أن يعرف أنَّ شخصيته ستكون محل خلاف لدى المؤرخين، تمتد إلى قرن من الزمن بعد وفاته، سنستعرض معاً، محطات من حياة البطل المصري أحمد عُرابي، الذي كان أول مصري يصل إلى الرتب العليا في الجيش، في فترة حكم أسرة محمد علي باشا الكبير، وأول من رفض سياط الأجانب على ظهور الفلاحين.

تعلَّم أحمد عُرابي قواعد الحساب والقرآن الكريم
أحمد الحسيني عُرابي، أو أحمد محمد عُرابي الحسيني، ولد في آخر أيام آذار/مارس، أو في الأول من نيسان/أبريل عام 1841، في قرية (هرية رزنة) من محافظة الشرقية المصرية، قريباً من مدينة الزقازيق، كما يعود نسبه إلى مهاجرين أتوا من العراق منسوبين إلى الإمام الحسين ابن الإمام علي عليهما السلام، أما والد عُرابي فكان أحد شيوخ القرية (قبل ظهور منصب العمدة) ومن أعيانها، له أربعة أولاد من زوجته فاطمة، كان أحمد ثانيهم، فدفع به صبياً إلى صرَّاف القرية (ميخائيل غطاس)، يتعلم منه أصول الحساب والعدِّ، كذلك تتلمذ في كتَّاب القرية فتعلم القرآن الكريم والكتابة والقراءة، إلى أنْ توفي والده، حيث لم يكن أحمد عُرابي قد تجاوز الثامنة من عمره، فحمل أخوه الكبير محمد مسؤولية العائلة.

أحمد عُرابي في الأزهر الشريف
يُرجَّح أن والد أحمد عُرابي مات نتيجة إصابته بالكوليرا في وقت انتشرت فيه الأوبئة بالقرى المصرية، فتعهد شقيقه الأكبر برعاية العائلة، فأرسل أحمد إلى الأزهر الشريف، حيث مكث أربع سنوات، يأخذ من علوم الأزهر، من النحو، والفقه، إضافة إلى التفسير، وحفظ القرآن الكريم، لكن عُرابي الصغير ترك الأزهر، وعاد إلى قريته لأسباب مجهولة، فقضى بعض الوقت في قريته، قريباً من الفلاحين الذين ينتمي إليهم، بعيداً عن أبناء الذوات والباشوات.

انضمام أحمد عُرابي إلى الجيش
دخل أحمد عرابي إلى الجيش عام 1854 في الرابعة عشر من عمره، بعد أنْ أقر سعيد باشا قوانيناً تسمح لكل طبقات الشعب دخول الجيش، فكان عُرابي جندياً عادياً، وعلى الرغم من عدم استمراره في العلم، إلا أنَّ ما حصل عليه من علم الحساب والقراءة والكتابة أهلّه ليعمل في الكتابة ضمن آلاي المشاة الأول، كما سمح سعيد باشا لأفراد الجيش بالترقي في الرتب بعد الخضوع للامتحانات بغض النظر عن كونهم مصريين أم شراكس، في وقت تمتع فيه الشراكس بسلطان الجيش، لكنَّ أحمد عرابي تمكن من استغلال هذه التسهيلات، ليتدرَّج في الرتب العسكرية خلال سنوات قليلة، حيث تمت ترقيته من جندي، إلى ملازم، ثم يوزباشي (نقيب)، ثم صاغ (رائد)، ثم بك باشي (مقدم)، إلى أن وصل إلى رتبة قائم مقام (عقيد) ولم يتم العشرين من عمره.

علاقة أحمد عرابي بسعيد باشا
كان أحمد عُرابي من المقربين لحاكم مصر سعيد باشا، حتى أنَّه رافقه في رحلته إلى المدينة المنورة، كما قدم لعُرابي نسخة عربية نادرة من تاريخ نابليون، حيث يقول عرابي في مذكراته أنّه قرأ الكتاب في ليلة واحدة، إلا أنَّه من الصعب تحديد أسباب هذا التقارب بدقة، لكنَّ الأرجح أنَّ سعيد باشا كان ميالاً للمصريين أكثر من ميله للأتراك والشركس المتحكمين بالبلاد، كما أنَّ النزعة المصرية لدى عُرابي، كانت آخذة بالتطور مع الأيام، لما يراه من تمييز بين المصريين والأجانب، حيث بقيت الحظوة للأجانب على الرغم من محاولة سعيد باشا إدخال المصريين إلى الحياة العسكرية، وانتهى هذا التقارب بين عرابي وسلالة محمد علي باشا الكبير مع وفاة سعيد باشا، ووصول الخديوي اسماعيل إلى حكم مصر عام 1863، حيث يكاد يختفي ذكر عرابي أثناء حكم اسماعيل.

كان عهد الخديوي اسماعيل نقطة تحول في تاريخ مصر
ما زال الجدل قائماً حول فترة حكم الخديوي اسماعيل لمصر (1863-1879)، حيث تمكن الخديوي اسماعيل من الحصول على امتيازات عديدة في عهد انحلال الدولة العثمانية، كما عاصر الخديوي اسماعيل ثلاثة سلاطين في أقل من خمسة عشر عاماً (السلطان عبد العزيز، السلطان مراد الخامس "المجنون"، السلطان عبد الحميد الثاني "الغازي")، كما تم افتتاح قناة السويس في عهده، حيث دعا إليها كبار قادة العالم وأمرائه، وأقام حفلاً ضخماً أنفق فيه أموال طائلة، فضلاً عن الأموال التي دفعها ليحصل على لقب الخديوي، كما حصل على فرمانات متتالية من سلاطين الأستانة، أعطت مصر ما يشبه الاستقلال التام إلا في بعض الأمور التي تعتبرها السلطنة أموراً سيادية، مثل توقيع الاتفاقيات السياسية، أو التمثيل الدبلوماسي في الدول الأخرى، كما حصلت مصر على حق الاستدانة من الدول الأجنبية لتمويل مشاريع الخديوي الحضارية.

نهاية الأمر، أنَّ الخديوي اسماعيل أحدث نهضة عمرانية واجتماعية كبيرة في عهده، لكنَّه حسب أغلب المؤرخين افتقر إلى الرشد في الإنفاق؛ ما أدى إلى تراكم الديون على مصر وإعلان إفلاسها، وبيع حصتها في قناة السويس للإنجليز عام 1875، تلاها بيع حصتها من أرباح القناة، وكانت عائلة روتشيلد الإنجليزية الشهيرة هي من رتبت لهذه الصفقة، كما رتبت لاحقاً لوعد بلفور المشؤوم، ولكن أين أحمد عُرابي من كل هذا؟

فتحت الديون المتراكمة باباً للإنجليز والفرنسيين للسيطرة على مصر
لم يكن الأمر بهذه البساطة، حيث لم تكفِ الأموال التي حصل عليها الخديوي من بيع قناة السويس لسدِّ ديونه؛ ما أجبره على تقديم تنازلات كثيرة للدول المانحة، على رأسها إنجلترا وفرنسا، فأرسل صندوق الدين العام مندوبين لمراقبة الاقتصاد المصري، ثم وافق الخديوي على تعيين مراقب إنجليزي للدخل، ومراقب فرنسي للصرف، ثم على إرسال لجنة تحقيق مشتركة، فكانت مصر بذلك قد وقعت في مصيدة الأجانب، حيث تم تعيين وزارة تابعة لهم وإسقاطها، ثم تمت إعادة تشكيلها برئاسة الأمير توفيق، وقد تضمنت وزيرين لفرنسا وإنجلترا، هما المتحكمان الفعليان بكل شؤون الحكومة، حيث حاول الخديوي إسماعيل أن يتخلص من هذه القيود قدر الممكن، حتى أنَّه شارك في إحدى المظاهرات ضد الحكومة الأجنبية، لكنَّه في النهاية، تلقى قرار عزله من السلطان عبد الحميد الثاني، ليخلفه ابنه الأمير توفيق عام 1879، وهنا كان دور أحمد عرابي في إذكاء نار الثورة التي اشتعلت منذ تدخل الأجانب في مصر.

أحمد عُرابي والخديوي توفيق
لم يكن الخديوي توفيق مثل أبيه في شيء، بل على العكس تماماً، أبعد من حوله بطانة الخديوي إسماعيل، ونهج نهجاً معادياً للحركات الوطنية التي شهدتها البلاد خلال الصراع مع الأجانب في الحكومة، كما شهد الجيش في بداية عهد توفيق حركة عسكرية مناوئة لحكومة رياض باشا، واحتجاجاً على القرارات التي أصدرها وزير الجهادية (وزير الدفاع) عثمان رفقي، والتي كانت تراجعاً عن قرارات سعيد باشا، وقد أنصفت العسكر المصريين، لتعود قرارات رفقي إلى تفضيل الشراكس على المصريين في الجيش، فضلاً عن إقصاء كبار الضباط المصريين وعزلهم، فكان أحمد عُرابي من بين رواد هذه الحركة التي تصدَّت لممارسات عثمان رفقي.

اجتماع الضباط في بيت أحمد عرابي
اجتمع كبار الضباط المصريين في منزل عرابي، يتباحثون في ما آلت إليه أوضاعهم نتيجة سياسة الحكومة الجائرة بحقهم، ويتداولون ما عرفوه عن تخطيط الشراكس للسيطرة الكاملة على البلاد، فكان أنْ أجمع الضباط على تسمية أحمد عُرابي ناطقاً باسمهم أمام الخديوي توفيق، وحكومة مصطفى رياض باشا، فكتب عرابي عريضة موجهةً إلى مصطفى رياض باشا، يشكو فيها ممارسات وزير الدفاع عثمان رفقي، كما تضمنت مطلبين أساسيين:

عزل عثمان رفقي من وزارة الجهادية، وتعيين أحد الضباط الوطنيين مكانه.
تعديل القوانين العسكرية بحيث تضمن العدل والمساواة، بين أبناء المذاهب والأعراق.
حيث تم رفع هذه العريضة إلى رئيس النظار (رئيس الوزراء)، منتصف كانون الثاني/يناير عام 1881.

أحمد عرابي والضباط في السجن
شعر رئيس النظار بخطورة العريضة التي قدمها أحمد عرابي، مع اثنين من كبار ضباط الجيش، ودار بينهم نقاش لا يبشر بالخير، إلا أنَّ رياض باشا انتظر أسبوعين بعد تقديم العريضة، حيث اتخذ قراراً بالقبض على الضباط الثلاثة ومحاكمتهم، فدعاهم إلى الجهادية (وزارة الدفاع)، وألقى القبض عليهم بمجرد دخولهم وأودعهم السجن، كما استبدلهم بضباط آخرين ينوبون عنهم في مناصبهم، إلا أنَّ انتشار خبر الاعتقال أحدث موجة غضب كبيرة في صفوف الضباط المصريين، فقام الضابط محمد عبيد بجمع جنوده والهجوم على قصر النيل لتحرير الضباط الثلاثة، ففر وزير الدفاع ورئيس الحكومة من وجه الجنود، وتم إخلاء سبيل الضباط الثلاثة، ثم ذهبوا إلى حضرة الخديوي توفيق، الذي أجابهم بعزل عثمان رفقي من منصبه، وإعادتهم لمناصبهم، فأعلنوا الولاء له، واختاروا محمود سامي البارودي ناظراً للجهادية.

الثورة العُرابية
كان محمود سامي البارودي مطابقاً لآمال الضباط والعسكريين، ما جعله بالتالي مخالفاً لتطلعات الخديوي توفيق ورئيس حكومته، فقاموا بعزله بعد أشهر قليلة من تعيينه، وحل محله داوود باشا يكن (صهر الخديوي الذي كان شبيهاً بعثمان رفقي)، وقد حاول الخديوي وأعوانه التخلص من عرابي ورفاقه بشتى الوسائل.

لكن عرابي كان قد أسس شبكة وطنية من العسكريين والمدنيين، صعبت مهمة التخلص منه، كما ذاع صيته بعد حادثة قصر النيل، وأصبحت سيرته تدور بين المصريين، أنَّه نصيرهم وزعيمهم، ما جعل من وجوده عبئاً كبيراً على الخديوي وحكومته، لكنَّ عرابي ومن معه كانوا قد بدأوا فعلاً بحشد أعيان البلاد ووجهائها، ليقيموا مرةً ثانية احتجاجاً على الممارسات الظالمة بحقهم، كما راسل عُرابي ومن معه السلطان في الأستانة وأخبروه بالحال الذي وصلت إليه أمورهم.