بقلم د.محمد نبيل: ما حدود الأمن القومي؟
تاريخ النشر :17/06/2017 المحرر : خاص سياسي
بقلم د.محمد نبيل: ما حدود الأمن القومي؟

كانت مصر ولا تزال دولة محورية بالنسبة للعالم أجمع بتاريخه القديم والحديث، وهذا التوصيف ليس توصيفا إنشائياً فحسب؛ فبحكم موقعها الجغرافي وعبور خطوط التجارة الدولية بها، كما أنها مصر نفسها سوقا استهلاكية كبيرة.. فضلا عن تركيبتها الثقافية والسكانية والحضارية نجد أن مصر لها من الثقل الإقليمى وقوة التأثير في المحيط سواء العربى أو الإسلامى الكثير مما يحسب لها في تقديرات القوى الإقليمية فى العالم.

وقد حرص دائما حكام مصر على مر التاريخ على تأمين حدود مصر الطبيعية بسياج أكبر من حدود الأمن القومى لمصر وذلك من بُعد قومى يؤمن الحماية والتأمين للحدود الأصلية، فأبعد نقطة يحتمل أن تكون مصدر تهديد كان لابد من السيطرة عليها بل وإخضاعها تحت طائلة التاج المصرى، فمنذ أيام الفراعنة اعتبروا منطقة الشام (شرق المتوسط) أمناً قومياً لهم ودارت الملاحم العظيمة للسيطرة عليها مثل معركة قادش الثانية بقيادة رمسيس الثانى والتى أسست لدولة مصرية ممتدة الحدود وآمنة القلب.
 
أما فى العصر الحديث كان تأمين حدود الأمن القومى أكثر اتساعا؛ ففي مرحلة تكوين الدولة المصرية الحديثة اهتم محمد على باشا بالسيطرة على منطقة الحجاز ونجد تحت توصية الدولة العثمانية إلا أنه فيما بعد عندما دانت له السيطرة عليهما أصبح له من السلطة الدينية الكثير حيث تقع بها الأراضى المقدسة، وأيضا كان لمنابع نهر النيل دائما النصيب الأكبر من التأثير على الأمن القومى المصرى عندما أمنت حملة محمد على الاضطرابات الموجودة فى السودان لصالح الدولة العثمانية وبعدها دخل السودان تحت تاج المملكة المصرية فيما بعد.

 إلا أننا مع نهاية دولة محمد علي وخلفائه وزرع الكيان الصهيونى في خاصرة الوطن العربى انحصرت قوة التأثير في التأمين العسكرى لحدود الأمن القومى المصرى فانفصل السودان عن مصر وانفصل جنوب السودان عن السودان واستمرت إثيوبيا فى خرقها للاتفاقيات الخاصة بحقوق المياه ببنائها سد النهضة، بل واشتعل الصراع الطائفي الموجه فى سوريا وليبيا وأصبحنا نعتمد على القوة الناعمة والدبلوماسية فى التأثير على من فى محيط أمننا القومي، وهذا يجعل حدود أمننا القومي المحتمل التأثير عليها وتأمينها تقترب بشدة من حدودنا الطبيعية وهذه من أخطر المؤشرات.

ومما سبق يلاحظ غياب مفهوم الأمن القومي العربي الموحد رغم أنه مفهوم أوسع وتتشابك فيه القوى العربية لحمايته وتأمينه، وأفضل مثال لتغييب هذا المفهوم هو موضوع جزيرتي تيران وصنافير وهما بموقعما الفريد يعتبران أمناً قومياً عربياً مشتركاً وليس مصريا فقط من هذه الزاوية، وهنا تبرز المشكلة الرئيسية عن ما إذا كان الأمن القومي العربي (والذى يعتبر الجزء المصرى هو القلب منه) في حالة تغير السيادة مهدداً، فهذا هو المعيار الأساسى فالتنسيق المشترك بين دولتي الجوار من منطلق حماية الأمن القومي العربي يجعل القضية فى اتجاه واحد وليس اتجاهين.

إن العالم الآن يبحث عن النقاط المشتركة ليبني عليها تحالفاته  السياسية وتكتلاته الاقتصادية ونحن نبحث عن أدق الاختلافات لنبنى عليها ما يباعد بينا ويفرق مصالحنا المشتركة على البعد الاستراتيجى.. وفى النهاية عندما يهدد الأمن القومي العربي لن تنجو دولة دون أخرى من تاثير هذا التهديد.